تشهد العديد من مدن المملكة وأريافها في الفترة الأخيرة ثورة غير مسبوقة بتشجير الطرقات والأماكن العامة والمداخل وجنبات الطرق السريعة بين المدن وبمحاذاة مسارات شبكة سكة الحديد وبواسطة عشرات آلاف المتطوعين وبأساليب زراعية شبه احترافية وبعيدة عن العشوائية.

فهل حركة التشجير انتصار للشجرة أم هو انتقام من الصحراء والتصحر؟ هل يمكن اعتبار هذه الحركة بذرةً نبتت من قاع المجتمع حينما جاء موسم المطر، أم أنها ثمرة استوت فسقطت من غصن الشجرة إلى الأرض، فوجدت تربة خصبة فنبتت ونمت وأتت أُكُلها؟

فإذا كانت حركة تلقائية شعبية، فما هي البكتيريا الأخلاقية أو الفيروس الاجتماعي -إذا صح التعبير- الذي تسبب بهذه الحركة الخضراء في هذا الوقت بالذات رغم أن العمل التطوعي كما نعرف ليس جديداً على مجتمعاتنا وليس غريباً عنها؟

أم أن المؤسسة المعنية وعت دورها ومارسته بعد أن اتضحت لها الأهداف بفضل رؤية 2030؟ فهل كان للمؤسسة دور في هذه الثورة الخضراء ومارسته بعد ضغط القاعدة الشعبية التي ارتفع وعيها؟ وإذا كان لها دور أو تأثير في كل ما تشهده الشجرة والتشجير، لماذا تأخر هذا الدور؟ وهل سيستمر هذا الدور وإلى متى؟ أم أن دور المؤسسة في هذا الحراك وفي غيره من الحراك التنموي، مرهون بحجم التنسيق بين المؤسسات الرسمية، وأن غياب التنسيق بين تلك المؤسسات المعنية هو ما غيب أو أسهم بغياب الكثير من النتائج الإيجابية المثمرة كمشروع التشجير؟ هل سيمتد كهدف من أهداف الرؤية 2030؟ وهل أصبح بمقدور المؤسسة الرسمية تفعيل الحركة التطوعية متى شاءت لإنجاز مشروعات أخرى في المجتمع بجانب حركة التشجير؟

هل يمكننا اعتبار الحركة هذه حركة بيئية بحتة أم أنها مدفوعة بحراك اجتماعي أو تنموي في العقل الباطن أو العقل الواعي للفرد و المجتمع؟

أم أنها حركة شعبية تلقائية نبعت بدافع الحاجة أو بدافع نجومية إعلام التواصل الاجتماعي؟ لماذا تأخرت هذا الحراك؟ هل يمكن اعتبار حركة التشجير بواسطة المتطوعين في أي مجتمع مؤشراً على نضج ذلك المجتمع وتحضره؟ هل يمكننا وضع مؤشر لتحضر المجتمعات البشرية وصولاً إلى انتفاء الأعراض السلبية في كل مجتمع؟ ما هي عناصر تحضر المجتمع بجانب ثورة التشجير؟

هل يمكن اعتبار التشجير رأس الجبل الجليدي لتحرر الشباب السعودي من ثقافة الاستهلاك وصولاً لثقافة الإنتاج؟ هل هناك حد فاصل بين ثقافة الاستهلاك وثقافة الإنتاج؟ أم أن ثقافة الإنتاج ثقافة نخبوية إذا قام بها البعض تسقط عن الآخرين؟ هل هناك فرق ثقافي بين مجتمعات المملكة فيما يتعلق بثقافة الاستهلاك وثقافة الإنتاج؟

من المعروف أن جذور الثقافة الاستهلاكية يعود إلى أوروبا عندما اتسع نطاق إنتاج السلع كمياً ونوعياً ومعه بدأت حمى البحث عن أسواق جديدة تستوعب فائض المنتجات. بعدها أصبحت حكومات الدول الصناعية تنظر للاستهلاك على أنه محرك رئيس لتحقيق النمو، ومع سطوة وتأثير وسائل الإعلام الجماهيري، أصبح الإعلان وسيلة اقتياد الأفراد والمجتمعات وترويضها بالاستسلام لاستهلاك منتجات بعينها ومن مصانع بعينها ومن دول بعينها.

فبعد أن كانت زيادة عدد سكان الدولة عبئاً على الدولة الريعية، أصبحت زيادة عدد السكان عبئاً فقط على رب الأسرة لكنها ميزة للدول والمصانع والتجار لخلق المزيد من الكائنات الاستهلاكية والتوسع بما يسمى بالسوق الاستهلاكية وصولاً لتصريف أكبر قدر ممكن من منتجات المصانع ومن ورائها الدول في ظل حمى المنافسة التي أصبحت تشمل حتى الأسواق.

ومع انتشار ما يسمى بالعولمة، والتجارة الدولية، وبصفتنا مجتمعات استهلاكية هنا في المملكة وفي كافة الدول العربية والدول النامية عموماً، انتشرت بيننا ثقافة حمى الاستهلاك، حتى ضاقت السجون بالمديونين والمديونات بسبب الاندفاع للاقتراض أو الإغراء بالشراء لسلع استهلاكية أغلبها غير ضرورية.

يعزو البعض من الباحثين بعض حالات الطلاق لعدم قدرة رب الأسرة على الوفاء بالتزامات الأسرة من الاستهلاك مما يدفعه للاقتراض قروضاً استهلاكية لا يستطيع الوفاء بها لأسرة تم بيعها تسويقيا للتجار والمصانع والدول الصناعية بعد أن تم إغراء أفراد الأسرة.

إن حركة التغيير من كل الاتجاهات وفي كل المجتمعات المحلية وبسرعات متفاوتة ومتعددة وإن النتائج مبشرة بميلاد مجتمعات صناعية وثقافة صناعية أسرع مما نتوقع وأكبر مما نتصور، بإمكاننا قراءة التحولات من اليمين إلى الشمال وبالعكس ومن الأعلى إلى أسفل وبالعكس. وما التشجير إلا واحدة من مظاهر ميلاد ثقافة إنتاجية جديدة بدأت تشهدها مجتمعاتنا وأسرنا وأفراد مجتمعاتنا.

إنه مجتمع يولد وثقافة تشرق من جديد، فلا يهمني بعد ذلك إن كانت ثورة التشجير انتصاراً للشجرة أم انتقاماً من الصحراء والتصحر، ولا يهمني بعد ذلك إن كانت البذرة نبتت من قاع المجتمع حينما جاء موسم المطر، أم أنها ثمرة استوت فسقطت من غصن الشجرة فنثرت بذورها إلى أرضٍ خصبة، فنمت وتنامت وتعذر وقف نموها وتمددها.

* كاتب سعودي

Dwaihi@agfund.org