عزيزي الحقوقي أو الناشط أو المغرد أو الكاتب أو سم نفسك ما شئت، عندما تأخذ خيارك بالابتعاد عن وطنك، وتنأى بنفسك عن محيطك الثقافي والاجتماعي؛ لأن لك موقفا مخالفاً لبعض الأفكار أو المشاريع أو الموظفين أو الخيارات السياسية، ولا يؤثر موقفك ذلك على أمن بلدك ووحدته وسلمه الاجتماعي فهو شأنك وحدك.

لكن حين تصطف مع أعداء الوطن وتنخرط في مشروعهم الانقلابي والتقسيمي، وتفضل تنظيمات إرهابية وتروج لأفكارها وتغسل موبقاتها، أو تُحالِف دولة معادية مستبدة ظالمة لا تعرف الحريات التي تتغنى بها علينا، وتتبنى فعلها التآمري الذي يهدف في نهاية الأمر لتفتيت أرضك وتحويل أهلك إلى مشردين في دول الجوار أو على أبواب أوروبا يطلبون حق اللجوء، فأنت بلا شك خائن ولست معارضاً.

عليك أن تعي يا عزيزي أنك تنازلت بإرادتك وحدك عن كل حقوقك - لا أقول هنا حياتك أو التأثير فيها فذلك ما يقرره القضاء من عقوبات -، لكنها خياراتك وحدك فلا تلمنا إذا كان خيارنا وطننا وأهلنا، أنت من قررت مفارقتنا وخططت عن سبق إصرار وترصد للإضرار بنا، ولذلك لا مقالات الواشنطن بوست ولا لقاءات «السي ان ان» ولا بيانات منظمات الشواذ تَجُبُ الخيانة ولا تعفي فاعلها من توابعها القانونية.

كما يجب ألّا تنسى أنك عندما تتعامل مع أنظمة معادية وخطيرة كقطر وتركيا وإيران وإسرائيل وبعض الدول الغربية ككندا هو تهور غير محسوب العواقب، وأن التجارب طوال المئة عام الماضية تقول بصريح العبارة إن أحد هذه الأنظمة وأجهزتها ومنظماتها التي تزين لك عملك وتستخدمك ضد وطنك ستورطك أولا ثم تلفظك ثانيا عندما تنتهي منك، إما لأنها لا تريد الدخول مع دولتك الأم في إشكالات لاحقة، أو لأنك لم تعد صالحاً للاستعمال، راجع مصير الذين خانوا السعودية مع المد القومي والبعثي عندما سوت الدول الداعمة لهم علاقاتها مع الرياض رمتهم في المزابل والشوارع الخلفية، ثم تحولوا إلى متسولين في بيروت والقاهرة ودمشق وبغداد، لقد ترِكوا للعار الذي لطخهم وبقي ملازماً لهم طوال حياتهم.

من السهل جدا أن تلبس خيانتك بلباس الوطنية والدفاع عن الحقوق المختلف عليها أو تتعامل مع منظمات تتستر خلف الإنسانية أو تكتب المقالات في الصحف الغربية، لكن من الصعوبة أن تقنعنا أنها ليست خيانة، نعم ستمرر المعلومات وسيستضيفك المذيعون المشهورون وستلقي المحاضرات في مراكز الأبحاث.

هناك من يخلط بين الخيانة والتعبير عن الرأي والانتقاد، مساحة الانتقاد لا تتيح لك التحدث نيابة عن الدوحة أو أنقرة أو «هيومن رايتس ووتش» أو كندا أو ألمانيا، ولا تبيح لك أخذ المال الحرام من قنصليات وسفارات ومنظمات عابرة تبطن ما لا تظهر، أو تجتمع مع ضباط المخابرات المعادية في البيوت الآمنة والمقاهي المظلمة.

من كان يأخذ الأموال من سفارة موسكو للتجسس على أمريكا في أيام الحرب الباردة كان يطالب المدعي العام الأمريكي بإعدامه، لم تقل النيويورك تايمز ولا الواشنطن بوست أنه ناشط حقوقي ولا باحث عن الحرية، بل وصفوه بالخائن لأمته ووطنه، فهل خونتهم مغضوب عليهم ومن يخوننا مغفور لهم، تزيين الخيانة وتغليفها بشرائط الحريات البراقة، قد ينجح لبعض الوقت لكنه لا يدوم كل الوقت، فلابد أن تنكشف سوأتهم ذات يوم.

البعض يعتقد أن عليه عقاب الحكومات ولا يتسامح معها؛ لأنها لم تلتفت له ولعبقريته -المزعومة- ولم تقربه أو تجعل منه مسؤولاً أو وزيراً، وهناك من لا يزال يقفز من سفينة إلى أخرى يخون هنا ويدغدغ هناك، يفضح كل هفوة ويسعد بكل كبوة ويحالف كل عدو.

* كاتب سعودي