في حدث مر؛ رأينا شابا يقتل آخر بسبب الخلاف على موقف سيارة، وبرغم تفاهة السبب إلا أن النتيجة كارثية، هذا المثال يمكن إسقاطه على الكثير من الحالات المنتشرة في الشارع، ودخول البعض من الشباب واستعدادهم المسبق إلى مجالات صراعية لا يبالي فيهم أحد بأن يخسر حياته، أو يتسبب في خسارة الآخر لها، فما هو الأمر الذي أوصل بعضهم إلى تلك المستويات الانتحارية او العدوانية؟!

حينما ننظر بالقياس إلى الأسباب التافهة والنتائج المزرية التي يصل إليها الحال، وإن كنا ننظر إلى الأسباب كأسباب تافهة الا أننا ننظر إليها من جانب آخر كعامل إثارة لمحتوى نفسي تراكمي من العنف، ما يجعل استفزازه وإخراجه على الآخر سهلا، وما يجعلنا نفسر حجم تراكمه وكامنيته في النتيجة المروعة التي تظهر على السلوك.

الأغلب أن ما يحدث ناتج عن معاناة نفسية من الصعب جدا تجاهلها، حيث تدفع بالشاب وفق خصائصه الانفعالية والنفسية للتهور فيما تكون العدوانية والعنف مندرجة تحت نظريات التعلم الاجتماعي والسلوك المتوارث أو المكتسب للدفاع عن حق أو الحصول عليه، فيضعف أمام تلك الخصائص من حيث لا يتمكن من أن يمارس رقابة ذاتية على طبيعة عنفه ومظاهر عدوانيته، التي قد يمارسها من أجل برنامج عقلي مسجل مسبقا للدفاع عن النفس أو التعبير عن القوة والإرادة حتى ولو كان بشكل عدواني.

الأمر يرجع حسب الدراسات إلى عوامل كثيرة من أهمها؛ اضطراب وظيفة الدماغ التي تتمثل في نقص النضج للجهاز العصبي الذي يفسر اضطراب السلوك، ومن المؤسف في هذه الحالة أن أخبرك أن تخطيط الدماغ لدى شاب من هذا النوع يشبه تخطيطا لدماغ طفل، أي أنها لدوافع طفولية وليست رجولية، لكنه يعامل كراشد والنفس بالنفس.

انتشار ظواهر العنف بين فئة الشباب في الوسط الحضري يتطلب إعادة النظر إلى التداعيات الخطيرة والمؤدية الى نتائج سلبية تمس الاستقرار والأمن الاجتماعي، وهي التي عكست الكثير من الأحداث التي كان سببها الخروج عن السيطرة.

كذلك الأمر مرتبط بدور الأسرة التي ترسخ القيم الأخلاقية بالحب وليس الإكراه، على عكس ما تفعله بعض الأسر من ترك أبنائها للتأثر بما في الشارع من قيم، لأن الأسرة مسؤولة عن عنف أبنائها بالعودة إلى تاريخ الطفولة والأحداث التي أنتجت العنف في سلوكهم، ولأن المشكلة لا تتوقف عند الأسرة، وهناك مكتسبات أخرى من المحيط، فالواجب أن تتكاتف الجهود الوطنية لتمكين علم التنمية البشرية والتطوير الذاتي من التأثير على العوامل الثقافية التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالنظام الأسري والمؤسسات التعليمية والتربوية، لإيصال الشباب إلى حالة من التوازن والنضج الذي ينعكس على سلوكهم ونهضة مجتمعهم.

* كاتبة سعودية