حتى زمن قريب كان المجتمع يستهجن الكلمة المسيئة والسلوك العبثي، ونعتبرها غريبة على مجتمعنا، لأنها كانت أقل انتشارا وأقل جهرا، وقت أن كانت الأسرة تتمسك بدورها والمجتمع لا يسمح بالسوء ولا الجهر به، لذلك كانت النفوس عامرة بالقيم الأخلاقية والاعتزاز بها.

ذاك الزمان تغير بثقافة الكراهية والسوء والجهر بهما، حتى في الفضاء الإعلامي الذي يعج بقنوات الفتن والفوضى من أعداء الاستقرار تبث سمومها وأكاذيبها ليل نهار، وشبكات التواصل وبرامج الهواتف الذكية رغم فوائدها الهائلة في الحياة، انتشرت مثالبها ومخاطرها وفضائحها التي تكشف أدران المجتمعات.

بالطبع الدول مسؤولة مباشرة عن حماية القيم العامة والأمن بمفهومه الواسع والشامل، ومحاربة الجريمة بكل أشكالها ومنها الإلكترونية، من خلال الأنظمة والتشريعات، لكن نجاح ذلك يستدعي دائما دور المجتمع ونواته الأسرة بالوعي الديني والوطني والسمو الأخلاقي وثقافة الالتزام الجاد بكل هذه المنظومة.

الخطر كل الخطر في سلبيات العالم الافتراضي بشيوع التضليل والإشاعات والفتن، والرذائل والبذاءات والتجهيل، واختطافها الدور التربوي، وإضعاف وعي المجتمعات بسفه سوء الاستخدام لتقنيات التواصل فتمكنت الغرائز وعصبيات ضيقة طائفية ومذهبية وجحافل إلكترونية تبث الفتن والسموم، حتى تحللت مجتمعات من قيمها وتفسخت شعوب من نسيجها الوطني، ودول تحترق بنار الصراعات والانقسامات.

لا بد أن نتدبر الواقع المعاصر وننظر بوعي وبصيرة ونتدبر بعقل ويقظة للخطر الأكبر الذي يكمن في تمادي الاستسلام للعالم الافتراضي وأجهزة الاتصالات الذكية التي شجعت النفوس المريضة على جرائم الابتزاز، واتساع شروخ القيم وضعف الترابط المجتمعي، وكأن الناس يعيشون في جزر منعزلة، ناهيك عن قنوات فضائية تتبنى خطاب الفتن وتستهدف دولنا ومجتمعاتنا، وأخرى كغثاء السيل تافهة البرامج.

إنسان العصر عامة والأجيال الجديدة خاصة -إلا من رحم ربي – تتعرض لمخاطر التدمير النفسي دون تلقي الوعي الكافي لمواجهة هذا الطوفان، وأصبحت رسائل الهواتف الذكية الموصولة بالشبكة العنكبوتية في أيدي الصغار والمراهقين دون ضرورة ولا كنترول، فأخذتهم إلى المجهول وسرقت روح الأسرة صغارا وكبارا، حتى في المساجد كان رنين الجوالات بنغماتها وأغانيها يقطع خشوع المصلين، واليوم أصبحت الرسائل المصورة تأتيك وأنت في المسجد وتنتهك حرمته بفاحش القول، أو رسائل آخر الليل بفعل جنون وعبث المستهترين وكل هذا بات معروفا للجميع، وكم من جرائم ومشاهد غير أخلاقية على جوالات آباء ساقتها الصدفة والاستهتار إلى عيون الصغار.

في الدول المتقدمة التي تصنع وتصدر الحاسبات والهواتف الذكية، لا توجد فيها هذه الفوضى المدمرة، لأنهم نظموا توفيرها للأبناء حتى سن معينة، ويقدمون لهم أجهزة تاب مع تحكم يقيد الاستخدام، كما يندر سوء استخدام العاملين للحاسبات في غير العمل ولا أجهزة اتصال شخصية أوقات الدوام، وكذا القنوات الفضائية لا يتركونها للصغار كالفوضى التي نحن عليها. إنها المسؤولية والوعي بالتربية رغم ما يوجد في تلك المجتمعات من مآخذ على مظاهر الحرية.

هنا لا بد وأن نعود إلى دور النخبة سواء في الإعلام أو المتخصصين في علم النفس وعلم الاجتماع والتربية ونتساءل: أين دورهم وقد تخندق الجميع في صفحة فيسبوك أو تويتر وجرفتهم معارك ومشاحنات بدلا من الأخذ بيد المجتمع، فالعالم يتقدم ويعرف كيف يستفيد ويطور وينظم مجتمعه، لذا علينا بالوعي الذاتي والمسؤولية التربوية والتعليمية المجتمعية الجادة، واليقظة في مواجهة الحروب الجديدة من كل حدب وصوب للإساءات والكذب والتضليل.

* كاتب سعودي