يفترض أن تكون المعلومات التي أدلت بها النيابة العامة في مؤتمرها الصحفي كافية جداً لتوضيح ما تم التوصل اليه في قضية مقتل جمال خاشقجي إلى ذلك اليوم، ويفترض أن تكون الإجراءات التي اتخذت وفق المسار العدلي من تحديد التهم وأشخاصها تؤكد جدية الدولة وسرعتها في التعامل مع القضية، وهذا ما عبرت عنه دول كثيرة في بياناتها عقب المؤتمر، لكن تركيا ـ الطرف الآخر في القضية ـ قالت عبر بعض مسؤوليها الرسميين وإعلامها إنها إجراءات غير كافية وغير موثوق فيها، واستمرت في لعبة التصريحات المشككة وإثارة اللغط والتشويش.

حسناً، لم يعد هناك شيء خاف تستطيع تركيا استخدامه لابتزاز المملكة لأن كل شيء توصلت إليه المملكة تم إعلانه في المؤتمر الصحفي للنيابة، لكن تركيا رفضت ثلاثة طلبات متتالية من النيابة السعودية لتزويدها بالأدلة والقرائن التي لديها ومنها التسجيلات المتعلقة بالقضية، وبالتالي تكون بهذا الرفض غير صادقة في ادعاءاتها الوصول إلى كامل الحقيقة ولا تهمها العدالة بقدر ما يهمها استمرار المتاجرة السياسية بالقضية، وإذا كانت بعض الأطراف ما زالت تهاجم المملكة حتى بعد بيان النيابة، فلماذا لا توجه الاتهام لتركيا لأنها سمحت بحدوث جريمة علمت عنها مسبقا ورصدتها منذ بدايتها إلى نهايتها.

لقد رصدت الأجهزة التركية، كما تقول تسريباتهم، وصول المجموعة السعودية وكافة تحركاتها منذ الوصول إلى المغادرة، وأكدت أنها سجلت تفاصيل عملية القتل، بل وأيضا تسجيلا لمناقشة فريق الاغتيال طريقة القتل قبل وصول جمال خاشقجي إلى القنصلية، أي أنها بدلا من منع جريمة شنيعة سمحت بتمريرها وارتكابها على مرأى ومسمع أجهزتها الأمنية وهي تعلم عنها مسبقا، وبالتالي إذا كانت مجموعة من السعوديين قد ارتكبوا الجريمة وتم التحقيق معهم وإحالتهم إلى القضاء وإعلان ذلك للعالم، فهناك دولة بكل أجهزتها سمحت بحدوث الجريمة وترفض التعاون مع الطرف السعودي بتقديم ما لديها من أدلة وقرائن، ورغم ذلك لم يلمها المجتمع الدولي أو يضغط عليها لتقديم معلوماتها التي تعترف بامتلاكها وتناور بها بشكل قبيح مجرد من المسؤولية والإنسانية وأعراف ومواثيق التعاون بين الدول.

إن الذي يسمح بحدوث جريمة وهو قادر على منعها أشد جرماً من الذين ارتكبوها، وتجب محاسبته بشكل أشد منهم لأن جنايته أكبر.