تبدأ اللحظات الجميلة والصور التذكارية الخالدة لدى الدول المتقدمة مع هطول الأمطار الغزيرة المصحوبة أحيانا بالثلوج وحبات البرد، حيث يرتدي الناس معاطفهم وقبعاتهم ويحملون مظلاتهم وينطلقون فرحين وسط أضواء الشوارع النقية التي عبدتها بلدية المدينة وجهزت بناها التحتية بكل إخلاص وأمانة، أما لدينا فإن حالة من (فوبيا الأمطار) تنتاب قلوب الناس لتقشعر أبدانهم، مع ومضة البرق وصوت الرعد، فتتسلل إلى مخيلتهم تلك الفواجع المؤسفة التي خلفتها سيول الأربعاء الأسود بجدة العامين 2009 و2011 التي راح ضحيتها مئات الضحايا والمفقودين!

وإذا كانت قرائح الشعراء في دول العالم تنتعش مع الأجواء الغائمة والهتان المتساقط لتنظم أروع القصائد، فإن ذاكرة المواطن الذي يسكن الأحياء القديمة بجدة كقويزة والرويس وبني مالك محملة بالمقاطع الرعدية المروعة التي تصدح منها أصوات الاستغاثة، وصور السيول العارمة التي جرفت الأحواش والمركبات وخلفت الخسائر الكبيرة بالممتلكات والأرواح!

لقد بذل المسؤولون الجدد في الجهات المختصة كل ما في وسعهم لإصلاح عيوب تصريف الأمطار والسيول بالحارات والشوارع والميادين، (لكن الشق أكبر من الرقعة)، فبقيت عروس البحر الأحمر (تغرق في شبر موية)، لهذا وصل الجميع لقناعة أن تعليق الدراسة هو الحل الأمثل للحد من الخسائر، لكن هذا التعليق المصيري لا يكتفي لإذاعته بتقرير هيئة الأرصاد التي تعتمد في رصد الأحوال الجوية والتقلبات المناخية على أفضل وأحدث الأجهزة التكنولوجية، حتى باتت توقعاتها المعلنة تصيب بنسبة 95%، بل يحتاج التعليق إلى عقد لجنة مركزية مكونة من عدة وكلاء ومديرين بوزارة التعليم، وهو الأمر الذي يؤخر كثيرا من صدور قرار التعليق، مما يضطر مديري المدارس لصرف الطلاب وسط المطر أملا في وصولهم لمنازلهم قبل تكرار الكارثة!

قرار تعليق الدراسة ليس خطة خمسية أو هيكلة إدارية أو عصفا ذهنيا حتى يعقد لها هذا الاجتماع الموسع، هو قرار هام وعاجل يمكن تكليف مديري إدارة التعليم بكل حي لإصداره أسوة بالجامعات، أو منح هذه الصلاحية لمدير المدرسة أسوة بإمام المسجد حين يقرن أذانه بنداء (صلوا في رحالكم)، أو يتم منحها لولي الأمر الطالب بشكل صريح كما منحتها له في نهاية تعميم التنظيم بتعليقها لأبنائه الذين يعانون ظروفا صحية، امنحوها بكل مرونة خلال موسم الأمطار، وإلا فإن العدالة تقتضي الرجوع على وزارة التعليم قبل غيرها لمحاكمة المتسببين بتأخير التعليق وتعويض المتضررين من الطلبة والمعلمين والإداريين جراء السيول التي داهمتهم.

أنت أيضا عزيزي ولي الأمر، لست بمنأى عن المسؤولية التقصيرية، لهذا يجب عليك التحرك سريعا إن تأخر صدور قرار التعليق، ولا مانع من (البربوغاندا) ولعب دور المسؤول البيروقراطي، شكل لجنة عاجلة برئاسة أم العيال وعضوية ابنك الكبير وبناتك وآخر العنقود، ليقوم أحدهم بقياس شدة المطر من خلال النافذة، وآخر بمدى التفاعل في قروبات الفصول، وثالث يعيد عليكم تلك المقاطع الإنسانية المفجعة لكوارث السيول بجدة، وصدقني ستتوصل اللجنة لتوصية سريعة تقضي بتعليق الدراسة، وتأكد بأن لا المدرسة سترسل لك إشعارا بغياب أبنائك، ولا الوزارة تستطيع لومك على قرار التعليق، لأن الأمطار الغزيرة والفيضانات تصنف بالقوة القاهرة التي تعلق بسببها عقود ومشاريع بمئات الملايين فكيف بيوم دراسي من السهل تعويضه.