كنت في ضيافة صديق، اتصل بي كعادته ليهبني دعوة خاصة، عندما يدعوني هذا الصديق، أحتفل بدعوته كمن ينتظر السعادة وراء الباب، فهو رجل على قدر كبير من التفهم وحب الحياة والإحساس المرهف، رجل جميل يؤمن بأن الفن أصدق من الحياة، ومن هنا عاش حليفا للموسيقى والأدب والفن والأصدقاء، جزيرة لا تعرف البغضاء، رجل مستقيم كعصا الخيزران، يرفض الالتواء، بيته كمعطف أبي، كضوء غرف البيوت الحميمة، بسيط كالماء في العين، يشدني كلما يدعوني كعلاقة مفاتيح ممغنطة، كانت عشية ملفتة، فيها مذاق حقيقي للحياة، غناء وطرب، أصوات أسطورية، ونغم يتساقط كمزاريب الأرياف التي يهطل منها المطر، وأحاديث ثرية كالغابات الوردية التي تغيب مع الظلام، ليلة تلهو بشرار العمر، كان القانون يئن، يسمو ويرف وتر الكمان بصوت مذاب في فضاء الله، كان صاحب الدار يرحب بالجميع بكلمات رقيقة وعينين مشعتين، يشعر كل منا بأهميته وقربه منه، أعجب ما في الموسيقى أنها تقرب بين أناس لا يقرب بينهم أحياناً أي شيء، بين عقول ولغات، وآراء قد تتنافر أحياناً في كل مجال، وبفيض كرم يغرق شاطئ الروح، وكوادٍ يسير في زراعة الشمس، ولأنه يقدر الحرف والقلم، ويعشق الريشة والكلمة، والكتابة، أهدى الحضور (إصدارين) جديدين مختلفين، لكتاب مرموقين معروفين، واستمرت السهرة وحتى نال الليل مني وانتصف السهاد، ودعته ممتنا، وتركت الدار متجهاً لعربتي التي كانت في مكان قصي من الشارع، لم يمضِ الوقت بعيداً وأنا في العربة منزوٍ، أستقبل مكالمة من ابني في أمريكا، أنتظر انتهاء المكالمة، وإذا بي أتنبه وأنا أتحدث إلى ابني، لتسلل اثنين من المدعوين، ممن اندفعوا كآخر شرارة تنتهر شرود الفحم، كانا غافلين تماما عن وجودي داخل العربة في الظلام، قذفا وبأيدٍ بلهاء، بالكتب التي حصلا عليها من المضيف نحو حتفها وبإرادتهما، لصندوق القمامة الكائن قرب المنزل، قذفا بها وبسرعة كقذيفة في قلب هدف، تطايرت قطط من الصندوق كما يتطاير الشرر من رجل صلف أهانه الزمن، انقبضت أنفاسي بذلك الألم نفسه حين ينقبض القلب، وقل نصيبي من الأكسجين

في العربة، كان جسدي يترنح بين الخيبة والخيبة، كان القمر يطل من السماء، يمد بلسانه لي ويقهقه، تنفست وكمن يكتشف جريمة قديمة، تأكدت حينها، أنك لا تستطيع أن تجعل شجرة المانجو تنمو في أسكتلندا، كما أنك لا تستطيع أن تجعل زهرة (الدولويس) الزهرة القطنية التي تنمو على جبال الألب أن تنمو في الصحراء، لأن النبات لا يحيا ولا يثمر إلا في المناخات المواتية، وهكذا المعرفة والثقافة والتحضر، تسمرت في مقعدي ككسير يستغيث بالتراب، رفعت ذراعي وحاجبي وعيني نحو السماء، وهتفت، لماذا تعذبني إلى هذا الحد يا رب، أنا عبدك البائس المسن، فارحمني بعظيم رحمتك، وخفف آلامي، وساعدني على الصبر والسلوان، حتى تلك اللحظة التي تعود بها نفسي مطمئنة إليك يا أرحم الراحمين، لم أكن أتمنى في ذلك الموقف البالغ القسوة أحدا يشاركني ذلك الوجع، سوى الحبيب الصديق الدكتور (حمود أبو طالب) الإنسان الدائم الخضرة والجريان، الذي لا يتوقف عن مطالبتي بجمع ما أكتب من مقالات في كتاب، دعني أصب على يديك أيها الطفل الجنوبي النقي ماء الورد، وأؤكد لك أنك لو كنت معي في تلك الليلة، لتأكد لك، أن الشمعة تنطفئ هناك، وأن الكتابة أصبحت قمرا جافا، وأحلاما بائتة، وأن البهو فارغ، وألّا مشهد في نهاية الشارع، وأننا لا نعدو سوى ذرات غبار نتجمع على مرايا الكون، وفي كل مرة هناك يد همجي تمسحنا، هل فضحت السر؟ هل وصلت الرسالة؟

* كاتب سعودي

fouad5azab@gmail.com