أتمنى ألا تترك هيئة النقل العام الحبل على الغارب للشركة المشغلة للمشروع التاريخي قطار الحرمين في تحديد أسعار التذاكر، وأن تنظر هيئة النقل ووزارة النقل لهذا المشروع الكبير الذي كلف أكثر من 60 مليار ريال من جهة العائد منه بطريقة أوسع وأشمل نظرة من سعر التكلفة وأرباح التشغيل، فإذا كنا قد نجحنا فعلاً في تجاوز كل العقبات المالية والإنشائية في طريق إنشاء هذا المشروع الوطني فإن مرحلة التشغيل والنجاح في إدارة هذا المشروع قد تتطلب منا جهداً لا يقل عن الجهد المبذول في المراحل الأولى من عمر المشروع..

وليس جديداً على الفهم الاقتصادي أن فوائد مشاريع النقل الكبرى للاقتصادات الوطنية وللنمو الاقتصادي أكبر بكثير من عوائد الربح والخسارة في التشغيل والأرباح المتوخاة من المشروع، مع يقيني أن التشغيل والتسويق الذكي من الممكن أن يحقق أرباحاً إضافية إذا ما ابتعد عن الطريقة الأسهل لكل المشغلين في العالم وهي رفع أسعار التذاكر بالطريقة التي لا تدرس سوى تكلفة بناء المشروع وتشغيله دون أن تنظر للعوامل المؤثرة الأخرى وعلى رأسها البدائل الأخرى للاستغناء عن ركوب القطار ومتوسط دخل الأفراد والعائلات والمسافرين الدائمين عليه، وتنظر جهات أعلى حتى من هيئة النقل للعوائد الاقتصادية والاجتماعية وانعكاسها على النمو الاقتصادي لمنطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة..

أعتقد أننا سنغير سياسة التسعير والتشغيل وأن هذه تظل مسألة وقت! لو نظرنا لهذا المشروع من جهة الأهداف والمستهدفات العليا التي جاءت في رؤية المملكة 2030 وبغض النظر عن الهدف الأهم والأسمى الذي تسعى إليه حكومة خادم الحرمين الشريفين وهي الخدمة التي يوفرها للسكان وللمعتمرين والحجاج إلا أن هناك فوائد عظيمة أخرى من جهة ملايين البراميل من النفط التي سيوفرها، وخسائر استيراد وحوادث السيارات على الموارد المالية والبشرية للاقتصاد الوطني، وانعكاس سهولة النقل ما بين مكة وجدة ومدينة الملك عبدالله الاقتصادية والمدينة المنورة على مدخلات عالم المال والأعمال والحركة التجارية والتوظيف والاقتصاد المحلي، وكذلك زيادة القدرة الاستيعابية ومضاعفتها عدة مرات من الحجاج والمعتمرين لمدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة من حيث إمكانية إقامة الملايين من الزوار في موقع متوسط كمدينتي جدة والملك عبدالله الاقتصادية وقيامهم بأداء فروضهم ومناسكهم في المدينتين المقدستين وفي نفس اليوم والعودة للاستمتاع ببقية وقتهم في المدن الأخرى ونفس الكلام ممكن أن ينطبق فيما لو ربطت مدينة الطائف بطقسها المختلف ومطارها الجديد بالمشروع في مرحلة أخرى..الخ

وبدون مواربة فأسعار التذاكر خصوصاً المعلنة مع مطلع 2019 فاجأت بالفعل سكان منطقة مكة المكرمة والمدينة المنورة التي تشير أرقام هيئة الإحصاء في عام 2016 أن عدد السكان الدائمين في هاتين المنطقتين تجاوز العشرة ملايين وثلاثمئة ألف ساكن، أكثر من 55٪ منهم من المواطنين، ويتركز 80٪، نحو 8 ملايين من كل السكان، في المدن الرئيسية الثلاث على التوالي جدة ومكة المكرمة والمدينة المنورة وهؤلاء هم زبائن وعملاء محتملون لقطار الحرمين ممكن استقطابهم يومياً وبشكل دائم فيما لو أحسنت الشركة المشغلة تقديم عروض بيع التذاكر اليومية والأسبوعية والشهرية.

أخشى ما أخشاه أن يمضي قطار الحرمين الشريفين رحلته ذهاباً وإياباً وأكثر من 70٪ إلى 80٪ من مقاعده بدون ركاب بسبب سياسة سعرية لم تدرس السوق جيداً والبدائل المتاحة في ظل توفر طرق سريعة متعددة تربط ما بين محطات القطار، ولذلك أدعو لتدخل مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية في دراسة سياسة التشغيل والتسعير لتحقيق أقصى الفوائد والمردود الاقتصادي والتنموي من هذا المشروع الكبير الذي أنفقت عليه الدولة بسخاء ليكون مفخرة لنا كسعوديين رغم كل الظروف الاقتصادية التي يمر بها العالم من حولنا!

* كاتب سعودي