أخطر وأقوى أوجه تأثير الأفكار المكتوبة غالبا لا تكمن في ذات النص ومقصد كاتبه إنما تكمن في اجتزاء صاحب أهواء سلبية لشيء من النص ليكون لباسا يلبس به أهواءه المظلمة ليمنحها مشروعية مرجعية ما، فكل ما هو مكتوب يعتبر تلقائيا بمثابة مرجعية من نوع ما، وهذا تماما ما حصل مع أفكار عالم الطبيعة تشارلز داروين حيث تم إخراج افكاره عن سياقها لخلق مرجعية تبرر التوحش والإبادة الجماعية التي قامت بها النازية وغيرها بزعم أنه من قوانين الطبيعة إن «البقاء للأقوى» لكن هذا لم يبق تلك الأنظمة إنما عجل بزوالها كما فعل بداعش، ومن هنا تولد مصطلح «الداروينية» والذي يعني فعليا السيكوباتية «السيكوباتية: هي الأنانية وانعدام الرحمة والضمير والشعور بالآخرين» أي «البقاء للأكثر سيكوباتية»، وعلى سبيل المثال؛ هناك الرأسمالية المعتدلة كالتي في أوروبا، وهناك ما تسمى بالرأسمالية الداروينية التي توجد في أمريكا والتي تعني إزالة كل أوجه الدعم والمساعدة التي تقدمها الدولة عادة للفئات الضعيفة بالمجتمع وإلغاء مجانية الخدمات الأساسية كالعلاج والتعليم وهو ما تفرضه الهيئات الاقتصادية الدولية كمنظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي على الدول التي تقوم بإقراضها، وهذا عادة ما يتسبب بانهيار اجتماعي واقتصادي وثورات تسببت بوصول القوى اليسارية إلى حكم دول أمريكا اللاتينية فنكبتهم أكثر، والسؤال؛ هل فعلا من سنن الله بالعالم أن البقاء للأقوى سيكوباتية؟ الجواب بكتاب للألماني المتخصص بالفيزياء الحيوية «ستفان كلين» وعنوانه «البقاء للأكثر لطفا-Survival of the Nicest» وهو عنوان باتت تعنون به العديد من الدراسات العلمية التي توصلت إلى حقيقة أن نمط السلوك اللطيف التعاوني هو الذي يضمن البقاء للكائنات، بينما نمط السلوك «الدارويني» السيكوباتي هو أقصر طريق للزوال، وحتى بدون دراسات علمية يكفي النظر للواقع المعاش؛ فغالبا الشخص الأناني سيئ المعاملة يفقد وظيفته لأن نمطه يعتبر معرقلا لروح الفريق وللعمل، وتخلعه زوجته لسوء معاملته، وحتى اجتماعيا يتم نبذه ولا يدعى للولائم والمناسبات بسبب سلبية شخصيته، ولو كان بالعصور القديمة لمات من الجوع وبلا نسل، لكن للأسف صناعة الترفيه العالمية يستبد بها بشكل كامل المنظور الدارويني فتصور دائما البقاء للأكثر سيكوباتية، وصناعة الترفيه هي أكبر وأكثر ما يصوغ النفسية والعقلية الجماعية بعصرنا، ولذا أي مسعى للإصلاح العام يجب أن يترجم إلى أعمال فنية بالسينما والمسلسلات وألعاب الفيديو تبرز السنة الإلهية الحقيقية بالخلق وسنة التحضر والعصر الحديث بأن البقاء؛ للأكثر طيبة ولطفا وسلمية وتعاونا وتوافقا.

* كاتبة سعودية

bushra.sbe@gmail.com