علمونا يوماً أن الرغيف الذي لا يقسم إلى نصفين لا يشبع، وعشنا وشفنا من يسرق الرغيف والقمح والسنبلة وطين الأرض، أناس أباح لهم الجشع كل ذلك فصنعوا من الطمع مقلاعاً لرجم الوطن، قلت لنفسي وأنا أشاهد مشاريع معطلة وأخرى منفذة مضروبة مهلهلة، أدر ظهرك يا أبا فراس للمعقول والمنطق والعادي والمألوف، والمقنع والصحيح، وحاور بعض المنفذين والمشرفين، كي تفوق، قلت لهم، هل لي بإيضاح يا قوم؟ أين هي المشاريع من الدراسات والمقترحات والميزانيات والنفقات، أين ذهبت الوعود والفلوس؟ قالوا لي تمدد على الأريكة يا عجوز، فنحن لا نفهم في جودة التنفيذ ولا تحقيق المواعيد، ولا التخطيط، ولا نلتفت للمقترحات، نحن لا نهتم ولا نفهم إلا في الفلوس! ومن أجل الفلوس قاطعنا الأمانة ونسينا الصدق، قلت لنفسي لم تعد الأوطان تحرك داخلهم شيئاً، فلا شك أنها الفلوس..! فمن أين لي ببحر لا يشاركني فيه أحد ليستقيم الفكر، قلت لهم على الرصيف يبدو أنكم تركتم بيارة مفتوحة عند التنفيذ، وسلكاً كهربائياً مقشوعاً، وهناك طفل ابتلعته البيارة بعد أن صعقه السلك المقشوع، وأمه تبكي بحرقة وتتذوق دموعاً مالحة بطرف لسانها فما العمل؟ قالوا لي لا تبتئس أيها العجوز فنحن فريق عرف عنه إنتاج الدموع المحلية وتصديرها بالدولار، وارتفعت قهقهات الأوغاد ما إن أدرت ظهري، قلت لنفسي يبدو أن الله كتب عليك أن يتبخر كل شيء جميل في حياتك، مات أبوك، وتبعته أمك، وتناقص أصدقاؤك في بطن التراب، وأحفادك يكبرون كل يوم بعيدين عنك فتشيخ، وفتك اللصوص بمدينتك، قلت لهم يا ربع أن الحياة لم تعد صالحة في وجودكم فما العمل؟؟ قالوا لي ليس على المغفلين حرج، وغنوا أغنية عن "النزاهة" مطلعها، كيفك يا طير الوروار، ونسيت آخرها، عند الباب سألني عابر سبيل، يجلس على ما تبقى من رصيف بيت، ماذا حل بمدينتكم؟ قلت له منذ الكارثة الأولى، تركنا مدينتنا المنكوبة بيد مجموعة، تحمل قسمات وجهها تقاطيع تختلف عمّا هو في الهوية، أبرزوا لنا الهوية مرفقاً بها حسن سيرة وسلوك، وأبرزوا لنا بطاقة مهنة، في خانة المهنة موظفين شرفاء، اطمأننا إلى ذلك، وتركنا كامل الحلول بين أيديهم، وللأسف قضوا على المدينة، ولم يقضوا المشروع! قال لي وهل تحدثتم مع الشرطة؟ قلت له ضابط الشرطة عندما عاين الحادث اكتشف أننا ضحية أننا قرأنا ما هو مكتوب في خانة المهنة، وتجاهلنا ما هو مكتوب على وجوه الموظفين، قال لي وماذا تنتظرون الآن؟ قلت له لقد جاؤوا برجل "صالح" قد يعوضنا عن كل ما فات، قال لي التعويض عن ماذا؟ قلت له عن المدينة المنكوبة، قال لي وكيف سيحسبون الخسارة والثمن؟ بالكيلو، بالرطل، أم بالمتر! قلت له لا أعلم!! كل ما أعلمه أنهم قالوا لي ضعوا آمالكم في "صالح"، قال بيعوا ما تبقى من المدينة لتسددوا ديون موتاكم في الكارثة الأولى والثانية، وابحثوا لكم عن مدينة جديدة قبل أن تحل بكم الكارثة الثالثة، قلت له بعض خبراء الطبيعة قالوا لنا إن غضب الطبيعة نتيجة ما فعله السفهاء منا، قال لي ما شاهدته في مدينتكم هو فعل من أفعال البشر، وليس للطبيعة شأن بها، فالطبيعة لديها قوانين نزيهة، فلا يوجد نفق في كل العالم ينصب لك كميناً! والمطر لا يغدر بك بل ينذرك بالريح، والبحر لا يبتلعك إلا إذا قفزت إليه وأنت لا تحسن فن العوم، أنتم البشر من يتعامل بشكل خاص مع قوانين الطبيعة الثابتة بشكل همجي، عند ذلك تحدث الكوارث، تمهدون الجبال وتحولونها إلى مخططات، وتردمون البحر وتقيمون حوله الأسوار، وتقتلعون الحدائق وتجعلون منها ملحقات للضيافة والهشتكبشتك، عندها التفت إلى عابر السبيل مفزوعاً، وسألته وكيف عرفت الهشتكبشتك وأنت عابر سبيل، قال لي من يعرف القوم أربعين يوماً يتعلم الهشتكة والبشتكة، عندها تحركت إلى بابي مودعاً، ودعني قائلاً فعلاً، يبدو عليك الإرهاق لذا سأتركك لتذهب للنوم، قلت له للأسف كلما حاولت النوم تزورني حروف الطباعة غاضبة وتصيح في وجهي، تدعي أننا نستخدمها في غير ما اخترعت من أجله، فقد اخترعها الإنسان لتسجيل الحقيقة على الورق ونشر سيادة قيم الحق والعدل، والجمال والخير على الأرض، قال لي، لماذا لا تقنعها أن الزمان تغير وتغيرت معه القيم والذمم ونخوة الرجال!! قلت له حاولت فرفضت منطقي وخرجت غاضبة، قال لي لا بأس فالكل يغضب عندما نقول الحقيقة!

* كاتب سعودي

fouad5azab@gmail.com