كل جزء من الحياة يمكن أن يروى كرواية، كل شخص منا هو بطل ملحمته، لا أحد منا يختار الأحداث.. الأحداث هي من تختارنا.. والأحداث عندما تروى يزداد نبضها ولا يدركها إلا من صفا ذهنه وأشرقت روحه ووهبه الله المشاعر والأحاسيس الكافية، فالمشاعر والأحاسيس ذبذبات النفوس المرهفة والحكاوي في هذه الحياة غير العادلة والتي أشعر بالإحباط أحياناً وحتى بعد الستين لأنني لا أستطيع تقبل كون الحياة عادلة كالحبال الملتوية ما تكاد تمسك برأس حكاية حتى تجد أخرى.. يقال إن الخريف حسب المعجم ليس الفصل الذهبي من السنة.. وحسب التصنيف العمري للإنسان هي السن التي لا يعود فيها المرء شاباً.. كنت ألتقي بسيدة خريفية العمر في أحد الفنادق ذات الأربعة نجوم القريب من منزلي ومكتبي، لم أذهب منفرداً أو مع صديق في أي وقت إلا وأجدها هناك.. لم أر قط إنساناً مهزوما بتلك الحالة التي هي عليها، منظر العجوز يكهرب الأعصاب، يبدو واضحاً أنها عاشت وعانت وتعاني، تجلس غارقة في همومها ومرضها فهي تحمل دائماً في يدها أكياسا بلاستيكية عليها أسماء عدة مستشفيات تعيش زمناً هامشياً بممارسة ما تمارسه كل يوم، تستقبل الحياة يوما بيوم وساعة بساعة، أحياناً تلتقط الصحيفة التي أمامها على الطاولة وتطلب شاياً أخضر من النادل، ما إن يحضره لها حتى ترتشفه بجرعات متتالية، لا ترفع بصرها نحو أحد كأن البشر غير موجودين حولها.. تجرأت يوماً وسألت مدير الفندق الذي تربطني به معرفة طويلة، سألته وكأنما كنت أسأل عن كوب من الماء وسط صحراء شاسعة عن وضع تلك المسنة؟ هز كتفه دون أن يحير جواباً وملأ عينيه بابتسامة ساخرة ورفع حاجبيه وأجابني: إنها تقيم هنا إقامة شبه دائمة، وقلما يأتي أبناؤها لزيارتها، وخلافا لكل ما يمكن توقعه اكتشفت أنها تقيم إقامة إجبارية حيث أودعها أبناؤها هذا الفندق للتخلص منها.. كنت أستمع له وأشعر بنار تحرقني في منتصف جسدي، كنت أشعر بحزن شامل.. لقد علمتني الدنيا وما مررت به في سنوات عمري البائدة أن كثيرا من المشاعر والأحاسيس قد لا يمكن التعبير عنها بالكلمات، بل إن الكثير من المعاني حين نسبر أغوارنا بحثاً عن تعريف لها نفقد أصل الشعور ليضيع مع حفنة أعوام العمر سدى، أفقت من ذهولي مستطرداً متسائلاً ماذا حصل لنا؟ لقد عشت حياة ليست هي ما عليه اليوم!! وأنا على يقين أنه من الصعب النظر إلى الماضي فقط لأن الحاضر يغمر الماضي ويشوهه ولكن ما نعيشه الآن ليس هو الحاضر ولا الماضي لأنه نوع من الزمن المزيف.. لم أحظ برعاية أبي رحمة الله عليه حيث انتزعه القدر مبكراً، أما أمي فقد رعيتها رعاية تامة ووفق المعايير والقيم التي أنتمي إليها، وبموتها ماتت حقول شاسعة من السنابل والأشجار في حياتي.. لقد عشت زمناً فيه الأب لا يتخلى عن أبنائه يتحمل مسؤوليته كأب تجاههم لآخر لحظة في حياته، والأم كذلك هي أم كاملة في المنزل العائلي وجزء أساسي من جسد العائلة تقدم دون ثمن لجسد العائلة والذي أراه يتهاوى في هذه الأيام، كان نموذج العلاقات الأسرية اهتمام الأب والأم بأبنائهم ورعاية الأبناء لهما حتى ينتهي زيت السراج ويكتب لهم آخر سطر في كتاب العمر.. كيف اختل التوازن وتحولت الحياة الأسرية تدريجياً من حالة إلى حالة؟ هل من محاولة لرد الاعتبار لهذا الكيان في مجتمعنا الجديد؟ أو إن عجزنا فلنشرع في بناء وتشييد دور المتقاعدين والمسنين الخاصة كمشاريع استثمارية بحيث يلتحق المسن بهذه الدور إن عجز الأبناء عن الاعتناء بهم ورعايتهم وبتكاليف شهرية يقدم له فيها المأوى الكريم والتغذية الجيدة والدواء والرعاية الطبية كما هو الحال في الغرب.. هل هذا ممكن؟ هل نقدم على هذه الخطوة وبشجاعة؟ حيث إننا لم نعد المجتمع الذي كان الأوربيون والأمريكان يحسدون السعودي في العيش ضمن العائلة وإلى الأبد.. رحمك الله يا أمي كنت تقولين «كل طفل يأتي وخبزه تحت إبطه» ولم يمهلك القدر لتقولي ونهايته!!

* كاتب سعودي

fouad5azab@gmail.com