من ينعم النظر ويمعن الفكر في الهالة الإنسانية التي عادة ما تكون وراء كوكب دري في مجرة من مجرات الزمان الخالد يدرك أنها تجمعت بكل قواها الاستثنائية وتكثفت حول فهد العبدالكريم الإنسان الراقي الذي أعطى رئاسة التحرير بعدا أخلاقيا لم تستطع رصده مشاعر كل نخب الثقافة وكتاب الرأي والمقالات وهم يحتسون قهوتهم المرة المضمخة بالكآبة والغطرسة والكبرياء المزيف من رئيس تحرير وسيلتهم الإعلامية، ليثبت فهد العبدالكريم أن التحرير في الإعلام هو التحرر من قيود النفس الأمارة بالسوء ولذلك كان دائما في صف الوطن والمواطن ولم يعهد عنه أن أساء استغلال كرسي التحرير لقضية غير أخلاقية البتة، لم يكن مفتونا بالضوء الذي عادة ما يتوافر في أماكن من هذا النوع الفاخر، كان صامتا يمارس الحياة بصمت مذهل وبعبقرية يصدق عليها تعريف الفلاسفة لها بأنها القدرة غير المحدودة على تحمل الألم، كان يعطي درسا من خلال روحه التي حُقَّ أن يقال فيها إننا جميعا نتعلم منها القدرة والتفاؤل والأمل كما كانت العرب تتعلم من الأحنف بن قيس الحلم.

زرته وشعرت أننا جميعا مرضى وهو المتعافي، أننا جميعا في رحم الألم وهو وحده يتنعم بالأمل والبلسم الشافي، كان يضحك وأحسست أن العالم بأسره يبتسم من خلال ثغره المملوء بالكلمات المهذبة والعبارات اللطيفة، وبخاصة أن وسائل الاتصال وقنوات الأخبار مملوءة بأخبار القتل والتشريد والمؤامرات ورائحة البارود وليت العالم نظر في عيون فهد البراقة لأدرك أن النعيم هنا وأن الحكايات الحالمة التي تعطرت بها الغرفة البيضاء تتضاءل أمامها حكايات ألف ليلة وليلة التي سطرت تاريخ الأنس والسعادة في روح البشر، لينسج فهد العبدالكريم حكاية البياض والثلوج والنوافذ التي لم تعد محطمة كما يقول السياسيون، ويزرع بيده الطاهرة أزهار الغاردينيا والياسمين ليثيت أن لهذا الصباح زهرة ملكة الصباح التي تمنحنا الأريج الحالم كما كانت ملكة الليل تنشر أريجها في أرجاء الحديقة الخلفية لهذا العالم.

في طريقه لإجراء عملية استمرت تسع ساعات لم ينس واجباته الإنسانية لأن فهد العبدالكريم يعرف جيدا الفرق بين المسؤولية والصلاحية، فهد الذي لم يكن كرسي رئاسة التحرير يوما سبيلا لممارسة الصلاحيات مع زملائه بل كان مجموعة من المسؤوليات تجاه الوطن والإنسان، في طريقه لغرفة العمليات وهو على كرسيه ممددا يجري اتصالاته لرفع الحاجة عن امرأة مسكينة لم تجد إلا فهدا خير معين، حينما انتهى الجلساء في تلك الغرفة من سرد هذه الحكاية قلت: يا فهد أي خبيئة لك حتى جعلت الناس على مختلف مناصبهم واهتماماتهم يتنفسون من رئتيك ويبحثون عن الظلال الوارفة بين جوانحك وكأنهم بحاجة إلى يدك الطاهرة لتمسح على رؤوسهم بكل هذه الأريحية التي تهطل من سحائبك الكريمة يا كريم، فهد الاستثناء فهد التجربة فهد الإنجاز في أروقة صاحبة الجلالة، فهد الذي كان العالم بكل فراشاته وألوانه وعشاقه وأطفاله كله يقرأ مع أختك منيرة على عش العنكبوت في رأسك المملوء بالهموم على الإنسانية، ليشعر هو بالارتياح وليس أنت أيها المعافى.. لأننا مريضون بك يا فهد باختصار.

قال لي إنه يرتب أوراقه ويحزم احتياجاته للسفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية هذا الأسبوع ويتحدث بامتنان شديد لسيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ورجال الدولة الذين أحاطوه بكل هذا الحب، فقلت له أتدري يا فهد لماذا هم هكذا؟ لأنك كنت تحبهم جميعا وكنت تملك ذراعين بحجم الوطن السعودي الأخضر لتطوق بهما كل هذه التضاريس وكل هؤلاء الشعب وهذه القيادة وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين الأب الحاني للمثقفين والقلب الرحيم للنخب والمفكرين، والذين تستحضر ثقتهم فيك حينما وضعوك على كرسي تحرير جريدة الرياض، ويكفيك فخرا هذه المنزلة التي لم تخنها ولم تغامر بها ولم تفرط بها ولم تكن يوما وسيلتك للطغيان.

يا فهد لا تعتقد أننا جالسون ننتظرك هنا في الرياض لأننا جميعا مسافرون معك ولا تعتقد أننا نتجمهر في المطار لنا لأننا جميعا في معيتك، سنعود جميعا للوطن الأخضر، نعود لياسمين التي ملأت الدنيا تغريدا عليك وكأنها في هتافها الخالد تتلو الآيات التي أعطت سيدنا يعقوب تباشير عودة يوسف بعد كل ذلك التعب وحكايات النار التي صارت بقدرة الله بردا وسلاما على إبراهيم بعد كل ذلك الخذلان وابتهالات يونس في الظلمات التي تكشفت بحول الله عن الأمل والنجاة والسلامة، نعود جميعا لمنيرة وهي لا تزال واقفة عند رأسك تمنحك شعور الأخت الخالدة التي تضاءل أمام إيمانها كل هذه الضوضاء في عش ذلك العنكبوت.

ستعود ونعود يا أستاذ التحرير ويا فخامة الإنسان ويا عبقرية الصابرين لتمارس من جديد مهنة التوجيه والإجازة والتصحيح لزملائك الذين يتباشرون كل يوم بمعافاتك وأنت تمنحهم البلسم والشفاء، وأسأل الله أن يتم عليك الصحة والعافية ويتقبل الدعاء والصلوات بالشفاء الذي لا يغادر سقما، يا رب الناس أذهب الباس واشف أنت الشافي.

* وكيل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية لشؤون المعاهد العلمية