اشتغلت منذ سنوات عدة بمشكلة الفكر لأنها في اعتقادي هي سبب رئيسي لحالة سبات ونوم الأمة وتخلفها، لأنه إذا تَرَدَّى أو غاب الفكر أو دخل في غيبوبة مؤقتة أو دائمة فلن يستقيم الجسد أو يعمل حتى ولو كانت أطرافه وأعضاؤه شابة يانعة صغيرة.

الفكر مسألة وقضية وجودية فالفرق بين أمريكا اللاتينيّة وأمريكا الشمالية، أن من أسس لأمريكا الشمالية وبالتحديد من أسس للولايات المتحدة رجال آمنوا بالعقل، فقد اعتمد المؤتمر المنعقد في الرابع من يوليو من عام 1776م وثيقة استقلال المستعمرات الأمريكية الأصلية الثلاث عشرة عن بريطانيا العظمى، أخذت بالعقل واحترام الفكر وحرية التعبير كما قامت حركة ديناميكيّة تقدميّة في عام ألف وثمانمائة وتسعين، تهدف إلى رفع المستوى الوطني في المجالات اللوجستيّة التي تحتاجها البلاد كالتعليم، والطبّ، والصناعة، بالإضافة إلى إصلاح المؤسسات العامة. هذا ما جعل أمريكا تصبح القوة العظمى في العالم فيما بعد.

الازدهار والتطور والنمو لا يكون نتاج ثروات باطن الأرض بل نتاج الفكر الذي يسخر أضعف الإمكانيات لصالحه. فهذه اليابان تكاد تكون أفقر بلاد العالم في الموارد الطبيعية، ومع ذلك فقد استطاعت بالعقل والعمل الجاد أن تصبح من أوائل القوى الاقتصادية في العالم وبالتحديد حالياً ثالث أكبر اقتصاد في العالم.

رواندا البلد الإفريقي الذي مزقته الحروب الأهلية عندما أعادت الفكر الجماعي بالتعليم والتسامح ونسيان الماضي خرجت من دائرة الفقر والمرض والجهل إلى التنمية والازدهار.

عندما يعطل الفكر الجماعي تقف عجلة التنمية والازدهار، ويقول الفيلسوف جولد تسيهر «نحن لا نستطيع نكران أنه كان لنشاط المعتزلة نتيجة نافعة، فقد ساعدوا في جعل العقل ذَا قيمة حتى في مسألة الإيمان» فقد كان لمدرسة الرأي على وجه العموم دور هام في إشاعة حرية التفكير، والعقل. حتى حوربت بالحديد والنار وإحراق كتبهم ابتداءً من مجيء الخليفة العباسي المتوكل حيث بدأ أفول وغروب شمس الحضارة الإسلامية.

حلول المشاكل التي تعتمد على الوفرة في الموارد، هي حلول زائفة، فالحلول الحقيقية هي التي تعتمد على الأفكار وليس الأشياء أو الأشخاص فالأشياء والأشخاص زائلون، وأما الأفكار فباقية تالدة دائمة، فهذه ألمانيا خرجت من الحرب مقسمة ومدمرة، ولكن بالأفكار عادت مزدهرة. فالفقر في الحقيقة هو فقر الفكر وليس فقر الأشياء، وفقر الفكر أخطر فقر تعرفه البشرية يتجلى ويظهر في صورة بشعة ثلاثية المكون، فقر، وجهل، ومرض كحلقة دائرية المحتومية والاستمرارية لا يمكن الخروج منها إلا بعودة الوعي ورجوع العقل والفكر، ليأخذ دوره في إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح.

فعندما تموت الكلمات وتنتحر المفاهيم وتضيع المعاني ويصبح الحوار رأيا واحدا وتصبح المعرفة هي القناعة بالجهل.. يكون الفكر منغلقاً والعقل في سبات ونوم عميق.

* مستشار قانوني

osamayamani@

yamani.osama@gmail.com