من يعرفني جيداً، يعرف أنني عاشق كبير للمسرح والموسيقى والسينما والكتب والبرامج التلفزيونية، فالمسرح والموسيقى والسينما والكتب والبرامج التلفزيونية من وجهة نظري، عناصر أولية حقيقية لتشكيل فكر ومشاعر وأحاسيس الإنسان، هذه العناصر هي نوع من أنواع غريزة حفظ البقاء ومحاولة إطالة البهجة، الفترة الطويلة التي عشتها في الخارج دارساً وعاملاً ومقيماً، أثرت فيّ كثيراً، ووضعتني في إطار إنساني وحضاري، كنت في أمس الحاجة إليه، لقد منحتني تلك المواد ومازالت طمأنينة فكرية، وغسلت أمطارها أعشابي العطشى، بغير الحديث عن المسرح والموسيقى والسينما والكتاب والبرامج التلفزيونية، تبقى صورة الحياة غير مكتملة، لقد غيرت تلك البرامج حياتي وأثرت في نظرتي للحياة، وعلمتني الكثير، علمتني كيف أرى الشيء جديداً في كل مرة، ففي كل يوم هناك شروق وغروب للشمس، جديدان لا يتكرران كبصمة اليد الفريدة، لذا فمن اللائق استقبال الحياة بعيون جديدة كل مرة، العين هبة الله، ولكن كيف ترى فتلك هبة أخرى، وعلى الرغم من الكم الهائل من المسرحيات والمعزوفات الموسيقية والأغاني والأفلام والكتب والبرامج المختلفة، إلا أن العثور على برنامج جيد متميز يشدك يومياً إليه، هو في الواقع كالبحث عن نقطة مطر نقية قبل أن تلامس الأرصفة، لذا كانت سعادتي لا توصف بأن عثرت يوماً على برنامج تبثه قناة الـ(أم.بي.سي) بعنوان (هي وهو)، أحسست وكأني فلاح قبض على ناي ضائع في صندوقه القديم بعد أن أعياه التعب، حتى إنه زهد في سقي نخيله ولكنه يشتاق للعزف، البرنامج شمس، وورود، وارتعاشات عطر، وندى نرجس صحراوي، انضباط عفوي وتناغم بين مجموعة، تتحدث بأبسط العبارات، وتتسلل إلى القلب كعسجد ينزل الدرج الحجري ويغيب في النفس، يطلون على الشاشة مبتسمين، بشوشين، مهما بلغت

جدية ما يقولون، يبذل كل واحد منهم مجهوداً كبيراً لإيصال أفضل ما لديه من أداء ومعلومة وفكرة وبذكاء شديد، رغم أن كلاً منهم يقابل الشاشة ولأول مرة، ووقعت في غرام البرنامج، والهوى غلاب، وكما يدخل المعلمون والمعلمات تباعاً مهرولين قبل أن يدق جرس طابور الصباح، ويجمعهم المدير في حجرته يتناقشون في أمور تخص اليوم الدراسي، أو موضوعات عامة، ويدق جرس الصباح، ويأخذ كل معلم مكانه مع تلاميذه، صرت أنا وزوجتي والتي عادت لتقضي بعض الوقت معي في (جدة) ننتظم في اتخاذ موقعنا الاختياري، لمتابعة البرنامج، انحزنا (هي وأنا) لمشاهدة البرنامج وبشكل يومي؛ لأن له بصمة فريدة، ميثاق يومي من مجموعة تهديك أفكارها وتجاربها وأقوالها، جرعة يومية تتابعها حتى تنصهر كعشب طري لخروف مقيد في وتد! لم نكن خرفاناً، ولم يكن هنالك وتد، ولكن كنا فعلاً نتابع البرنامج منذ بدايته وحتى انتهائه كالطفل الذين ينظر إلى ضوء المصباح وإصبعه في فمه متعجباً، ذلك لأن البرنامج مختلف يلفت النظر، يجعلك تقترب منه، تنكب عليه، تأخذه في عيونك، وهذا ما حدث لي ولزوجتي، سر نجاح هذا البرنامج، هو في سر الطبخة البيتي، وسر الطباخ، وسر المطبخ نفسه، كنت أخشى على المجموعة في البداية، أن بعض الحلقات قد تتراجع، أو تصاب المواضيع المطروحة بركود قد يتبعه ملل ويطيح بمصير العمل ككل، إلا أن المجموعة استطاعت أن تجعل كل من يشاهد البرنامج يراه بداخله، ولأنني لم أكن يوماً مجاملاً في الحياة، بل إنني لا أحب المجاملات على الإطلاق، أقول قولي هذا متلعثماً، إن بعض من استضافهم البرنامج كانوا (كحمامة المعري) لم أكن أميز إن كانوا يبكون أم يغنون!! لكل من شارك في البرنامج تحية، ولكم قرائي مني سلام.

* كاتب سعودي

fouad5azab@gmail.com