‏يحكى عن نبي الله سليمان أن أتت إليه امرأتان بمسألة صعبة. قالت إحداهما ‹هذه المرأة وأنا ساكنتان في بيت واحد، ولدتُ ابنا، وبعد يومين ولدت هي أيضا ابنا. ثم ذات ليلة مات طفلها. ولكن فيما كنت نائمة وضعت ابنها الميت بجانبي وأخذت طفلي. وعندما استيقظت ونظرت إلى الابن الميت رأيت أنه ليس لي.

وعند ذلك تقول المرأة الأخرى: ‹كلا! الابن الحي هو لي، والميت هو لها!› فتجيب المرأة الأولى: ‹كلا! الابن الميت هو لك، والحي هو لي!› هكذا تتجادل المرأتان. فما كان من سليمان إلا أن طلب سيفا، وقال ‹اشطروا الطفل الحي اثنين، وأعطوا نصفا لكل امرأة›.

‏‹لا!› تصرخ الأم الحقيقية.. ‹لا تقتلوا الطفل. أعطوها إياه!› ولكنّ المرأة الأخرى تصر على شطر الطفل كي لا تحظى به أي منهما متشفية بغريمتها.

‏فيحكم سليمان: ‹لا تقتلوا الولد! أعطوه للمرأة الأولى. فهي أمه الحقيقية›. ويعرف نبي الله سليمان ذلك لأن الأم الحقيقية تحبّ الطفل كثيرا حتى أنها مستعدة لاعطائه للمرأة الأخرى شرط ألّا يصيبه مكروه.

‏جدل المرأتين حول تحديد مصير الطفل بين أم يعنيها أمر ولدها وأخرى يعنيها إلحاق الأذى في من تتصورها عدوة ولو بالتمني أسوأ مصير للطفل الذي تدعي بأنها والدته، يذكرني بتعامل السعودية وأبنائها وعائلة جمال خاشقجي مع حادثة اختفاء الأخير، مقارنة بتعامل قطر والموالين لها مع الحادثة ذاتها زاعمين حرصهم على خاشقجي.

‏أكثر من 83 خبرا جميعها تتبنى بصيغة التمني مصيرا بشعا لخاشقجي بثتها قناة الجزيرة وعاملون فيها عبر حساباتهم الرسمية في غضون 5 أيام فقط!!

‏بأسلوب التأجيج تصاغ تغطية اختفاء خاشقجي في غرف أخبار الجزيرة، بمخيلة يعد وصفها بـ«الداعشية» واقعيا جدا.

‏ إذ تبدو السيناريوهات التي وضعتها الجزيرة لخاشقجي مقاربة لتلك التي كان يواجهها ضحايا (تنظيم داعش) الذي يرتبط بعلاقة وثيقة بجابر الحرمي الذي سخّر «مؤسسة قطر الخيرية» وهي منظمة مدرجة على لائحة الإرهاب للدول المقاطعة لقطر بعد ثبوت ضلوعها في جمع التبرعات لصالح تنظيم داعش في سوريا المعروف باسم (جبهة النصرة).

‏وأظهرت صورة نشرها الحرمي لقاء جمعه بالسيدة خديجة التي كانت مصدر قناة الجزيرة القطرية في خبر اختفاء خاشقجي.

‏ وبين رسم النهايات المخيفة للرجل وعلاقة أشخاص التقوا به بآخرين على علاقة بتنظيم داعش، أرادت قطر إمالة العيون عن تلك الإشارات وباتت قناتها الجزيرة شبه متفرغة لقضية اختفاء جمال خاشقجي محولة إياها إلى ورقة تستغلها في صراع تعيشه الدوحة بحجة التضامن معه!

‏أعادت الوحشية التي تتناول فيها القناة خبر اختفاء خاشقجي تركيز «الجزيرة» على بث الرعب، السادية والتشفي مسيسة الأحداث وفقا لأجندة ومصالح النظام القطري المالك للقناة.

‏ففي 2015 حين أقدم تنظيم داعش الإرهابي على حرق الطيار الأردني معاذ كساسبة حيا، وفيما كان العالم لا يزال يحاول استيعاب بشاعة الجريمة، ولما كانت مصلحة قطر مرتبطة بعلاقة غير معلنة بالتنظيم، تناولت «الجزيرة» الخبر من المنظور «الداعشي» مبرزة الرسائل الثلاث التي أراد التنظيم إيصالها وهي: بث الرعب في مواقع التواصل، تبرير الجريمة، إظهار إمكانيات التنظيم التقنية.

‏إذ عنونت قناة الجزيرة القطرية في 4 فبراير 2016: (إحراق الكساسبة.. تقنيات تصوير عالية الدقة وإخراج احترافي)!. وقد اقتبس موقع (وكالة أعماق) وهو الموقع الرسمي لتنظيم داعش الخبر.

‏وفي 6 فبراير 2015 عنونت القناة: «قيادي في تنظيم الدولة يبرر إحراق الكساسبة». كما بثت القناة القطرية خبرا في الشهر نفسه بعنوان «حرق الكساسبة يشعل مواقع التواصل». تضمن الخبر نقل وجهات نظر مؤيدة لحرق إنسان بكل بشاعة والتشفي بتصويره.

‏آنذاك كانت المصلحة القطرية تقتضي الترويج لأيديولوجيا داعش الإرهابية، ولا يزال الأسلوب التحريري لقناة الجزيرة متأثرا بالخط الإرهابي ويبرز ذلك جليا في النهايات البشعة التي توقعتها الجزيرة لجمال خاشقجي والهدف لا يزال خدمة أجندة النظام القطري.

‏والدكم قُتل، عُذب بطريقة وحشية، مُزقت أشلاؤه، قُطع إربا وانتزعت أحشاؤه كشاة! ثم تردف القناة هذا ما قال مصدر غير مسؤول أو نقلا عن صحيفة وفي أحسن الأحوال يعتقد مسؤول غربي!

‏على حساب جميع الاعتبارات الإنسانية والمهنية، هكذا خاطبت الجزيرة وإعلاميون يعملون فيها، عائلة جمال خاشقجي!

‏إلا أن عائلة خاشقجي اختارت أن تثق بحكومتها الأكثر حرصا على مصير مواطنها من أي (وقفات تضامنية) مع سيناريوهات رسمتها مخيلة مريضة محمومة بعدائها لدولة جمال خاشقجي الأم. الأم التي لم تكترث لاختلاف توجهات خاشقجي معها بقدر اكتراثها بأن لا يكون قد لقي المصير الذي رسمته له قناة الجزيرة.

* كاتبة عراقية