بدر عبدالعزيز
المسيرة الإنسانية طويلة، ذات آفاق واسعة، مليئة بالقيم العليا، اتصلت بعضها بالرسالات السماوية فمنحتها ضوابط صنعت منها حضارة. وبمرور الزمن ازدهرت الحضارات التي أسست مفاهيم ومعتقدات لطريقة الحياة العامة، واندثرت الحضارات التي لم تكن سوى أشكال مادية وطقوس فردية.

بعد الحروب الصليبية انطوت أوروبا على نفسها إثر مفاهيم وضعية متحيزة لا ترتبط بالأساس العقائدي الذي انبثقت منه، فخفتت حضارتها، ما أدى لتسلل بعض المفكرين الغربيين لسبر أغوار الحضارة الشرقية المتوهجة حينها، فسموا بالمستشرقين.

توّج بعض هؤلاء المستشرقين المكتبة الشرقية بأنجع الكتب جراء جهودهم البحثية في الجوانب المجتمعية والاقتصادية وحتى الدينية، وحاول البعض الآخر سلب الحضارة الشرقية امتيازاتها بتشويهها لأهداف استعمارية، فاختل ميزانهم واستقبلت المكتبة أطروحاتهم بفتور لم يمنع المفكرين الشرقيين من الوثب لنقد ما رأوه سلبياً فيها بمهنية عالية عبر أبحاث ودراسات مبنية على أساس متين، أجاد بعضهم في تبيانها وأخفق البعض الآخر حتى في التعبير عنها كأنما أدخل فكرته القبر بينما هو يلهج عليها بالثناء.

ما أحوج أطياف المجتمع هذه الأيام لتحرير خبيئة المنطق من قيدها، ليبقوا غير بعيد من مخالفيهم، فمن يضل الطريق الواجب على الآخرين أن يتطوعوا لإرشاده، بالبحث عن الدليل أن رأيه وهمٌ لا حقيقة، وأن عقله خانه فلم يهتدِ إلى الرأي الصحيح، بدلاً من التشابك في صراع لا هوادة فيه والهجوم على الأشخاص بدلاً من أفكارهم ونعتهم بالجهل ونقص المعرفة، أو وضعهم في قالب جاهز ليسهل الحكم عليهم. إن التسطيح سيجعل المتخالفين على حد سواء يقعون في مأساة واحدة وإن اختلفت أسبابهم، وكلمة نقد واحدة مملوءة بالمنطق خير من ألف كلمة ممزوجة بالشتم مما تعدون.

Badr.alghamdi.kfsh@hotmail.com