في ظل الإصلاحات والتطورات في الجهاز الإداري لوزارة المالية، جاءت سابقة لافتة ومفيدة ومؤثرة بالأمس حينما قامت بتبيان استباقي لأهم ملامح الموازنة التقديرية للعام القادم 2019.

وبينت الأرقام المعلنة عن تقديرات أولية للإيرادات المتوقعة وتبلغ قيمتها 978 مليار ريال، وذلك بارتفاع تبلغ نسبته 11% مقارنة بالعام الحالي 2018، بينما تقدر النفقات المتوقعة 1106 مليارات ريال.

وصرحت الوزارة أن هناك تراجعا في العجز بنسبة 34% مقارنة بالعام الحالي، كما وضحت أيضا أن هناك نسبة نمو للاقتصاد السعودي متوقعة تتجاوز 2% في العام القادم.

ولقد تفاعلت الأسواق المالية في البورصة السعودية بشكل إيجابي ليعكس الأثر المهم الذي تحدثه موازنة الدولة حينما تكون مبشرة بالأرقام المتفائلة.

لعل أهم ما ورد في البيان الذي صدر من وزارة المالية هو النهج المتبع نفسه، مزيدا من الحوكمة الرشيدة، ومزيدا من الشفافية والانفتاح بالأرقام والبيانات واحترام المتلقي.

لا يخفى على أي أحد متابع للاقتصاد السعودي أن وزارة المالية منذ حقبة الثمانينات الميلادية الماضية كانت سببا أساسيا في تعطيل خطط التنمية بسبب مركزيتها العالية مما تسبب في هدر عظيم في المشاريع سواء كان هدرا ماليا أو هدرا زمنيا دفعت البلاد ثمنا باهظا لذلك، وكذلك كانت سببا مباشرا في إحداث شرخ هائل وعظيم في العلاقة بين الحكومة والقطاع الخاص نتاج التأخير الكبير في سداد المستحقات وعدم الوضوح والشفافية في التعامل مع العلاقة المهمة كانت نتيجتها حقبة مقلقة في تاريخ الاقتصاد السعودي.

اليوم من الواضح أن هناك نهجا مختلفا في شكله وظاهره، تواصل محترم مع الأرقام والبيانات والتعامل بقدر أكبر من الوضوح والمكاشفة بدلا من الصندوق الأسود الغامض المجهول الذي تدار من خلاله وزارة المالية.

خطوات مهمة نحو مكانة مهنية واحترافية أكبر لوزارة محورية جدا في حياة اقتصاد البلاد، لا يزال الكثير مطلوبا لإيصال الوزارة إلى المستوى المنشود حتى تكتمل الصورة.

ولكنها خطوات لافتة ومهمة، كل الأمل أن يواكب هذا النهج المحمود تطورا ملحوظا في سداد المستحقات الخاصة بالمتعاقدين مع الوزارات ومن لديهم مستحقات، لأنها حتى الآن تبقى دون الطموح المنشود، مع أهمية أن يصاحب هذا الأمر مزيد من الشفافية والإفصاح عن الأسباب والظروف التي تؤدي إلى التأخير.

حالة التفاؤل التي جاءت مع الإعلان الاستباقي عن أهم بنود الموازنة القادمة تؤكد أن الدولة لا تزال القاطرة الأهم التي تجر باقي عربات الاقتصاد في السعودية، وأن كل رقم إيجابي معلن من آثار جانبية في غاية الأهمية لا يمكن إغفالها أبدا.

الموازنة الجديدة تم «جس نبضها» والنتيجة تدعو للتفاؤل، فحجم صرف يتجاوز التريليون ريال ليست بالمسألة البسيطة، هناك مساحة للتفاؤل.

* كاتب سعودي