لا يستطيع الإنسان أن ينفك عن ماضيه، فالماضي جزء لا يتجزأ من أرشيف المعرفة الإنساني الذي يختزله في عقله وفكره. هذا الكم من التجارب الإنسانية والأحداث والمواقف والصور والمشاهد التي يعيشها الإنسان ويختزلها العقل، تظل تساعده على خوض غمار الحياة وشق طريقه فيها. بدون هذا الماضي يصبح الإنسان مصاباً بالزهايمر أو فقدان الذاكرة كالطفل الذي لا يعي شيئاً. هذا الماضي الذي يطلق عليه الذاكرة لا يقيد الإنسان في شق طريقه للمستقبل وبناء حياته الجديدة بل يمده بالتجارب والأحداث التي يتعلم منها كيف يتجاوز الأخطاء ويحقق الأحلام والأهداف.

الماضي الذي عاشه الآباء أو الغير هو الماضي الذي يجب ألّا يرسم حياتنا ومستقبلنا وأن نخرج من إطاره؛ لأنه خلق وكان لغيرنا ولوقت ليس كوقتنا وأحداثه لا يمكن القياس عليها قياساً صحيحاً؛ لاختلاف كل التفاصيل والوقائع والأسباب والمسببات، هذا الماضي الذي عاشه الغير وصاغته كتب الأخبار في ظل سياسات قائمة في ذلك التاريخ لا تسمح بالاختلاف ولم يسجل أو يوثق فيها الواقع كما حصل، مما يجعل ذلك الماضي ماضيا مركبا ومنتجا مختلقا في كثير من جوانبه وليس حدثا حقيقيا مثله مثل الإنسان الذي يخضع لغسيل مخ يتم من خلال هذه العملية إعادة صياغة الفكرة. كما أن كثيرا من التراث هو نتاج فكري ومعرفي مرتبط بمعرفية محدودة بمعلومات ذلك العصر، الأمر الذي يترتب عليه عدم صلاحيته كنموذج حياة للمستقبل.

التمسك بالماضي والخوف عليه والتفاخر به حرم الإنسان العربي من نقد تراثه ولغته، وعرض كل مَن يتجرأ بالنقد أو مراجعة ما جاء في هذا التراث إلى التعرض للتكفير أو التفسيق وأقلها إعلان الحرب عليه والتضييق عليه. كما حرم معظم الناس من النظر في المستقبل وكيف يكون المستقبل في ظل الثورة العلمية التي غيرت وستغير كافة الأشكال المعروفة سواءً من ناحية النشاط الإنساني أو العلاقة الاجتماعية أو الجوانب الاقتصادية وحتى العادات والسلوك.

المستقبل سوف يتغير فيه كثير من المفاهيم ووسائل التواصل حتى مفهوم النقد والنقود سوف يتغير، وعمر الإنسان سيُصبِح في المتوسط (١٥٠) عاماً، وسيغير الذكاء الصناعي المهن والوظائف التي سوف ينقرض بعضها، ومفهوم العلاج والطب والتعليم سيتطور نتيجة الثورة العلمية التي ستدخل العالم إلى دورات من الثورات العلمية والتكنولوجية المتتالية لتنقل العالم إلى ما وراء السرعة الضوئيّة، وإلى الطيران بدون طيار وإلى ثورة في أنظمة البناء والعمران وسرعة التنفيذ وحلول الآلة مكان الإنسان في كثير من الأعمال.

أين نحن من المستقبل، سواء على المستوى الشخصي أم العام؛ لأن التغييرات سوف تكون متسارعة ومفاجئة لمن لا يخططون للمستقبل، كل فعل تعمله اليوم سيكون له أثر في مستقبلك، أين نحن من المستقبل؟ سؤال يستحق أن ننظر فيه وننظر في كل ما نقوم به الآن لأن ساعة الزمن ليست متوقفة.

* مستشار قانوني

osamayamani@

yamani.osama@gmail.com