في زمن سابق، ليس بالطويل، تم إيقاف الابتعاث لاكتفاء الجامعات السعودية بأبناء البلد الحاصلين على أعلى الشهادات العلمية، واستمر هذا الوضع إلى أن بلغ مؤشر عدم التوازن بين المدرسين الوطنيين والوافدين إلى حد التساوي، مما يخلص إلى نتيجة أن أساتذة الجامعات الوطنيين سوف يتناقصون بالتقاعد أو الوفاة، وأذكر أنني كتبت عدة مقالات عن هذا المؤشر، الذي يكاد أن يوقع البلد في إعادة الكرة باستقدام أساتذة جامعيين، وأن نفقد ميزة الاكتفاء الذاتي، ومن أجل كسر ذلك التوقع، بدأت وزارة التعليم العالي -حينذاك- بإرسال بعثات للحصول على شهادة الدكتوراه لترميم النقص الذي ظهر فعليا، وها نحن الآن نعيش نفس الأزمة بعد أن كشف آخر إحصاء رسمي نشر بالموقع الإلكتروني لوزارة التعليم أن نسبة حملة الدكتوراه في الجامعات السعودية بلغت 46% مقابل 54% من غير السعوديين..

ومع هذه النسبة يصبح ثمة اختلال في الميزان، بالرغم من الأعداد الضخمة التي تم ابتعاثها، ولو قلنا إن مدة الابتعاث لا زالت في مرحلة الحاصلين على شهادة الدكتوراه سوف يكون عذرا مقبولا، إلا أن وزارة التعليم تسير على نهج وحسابات تعطي نسب الاحتياج، وبالتالي فإن الوزارة ملامة حين تكتشف أن لديها عجزا في الدكاترة السعوديين، إذ كان بالإمكان اكتشاف هذا العجز بمجرد توسيع دائرة التعليم الجامعي بارتفاع عدد الجامعات والكليات المستحدثة، وإذا كان مشروع الملك عبدالله بن عبدالعزيز (رحمه الله) تنبه للنقص الحاد الذي سيخلق فارقا بين الأساتذة الوطنيين والوافدين، يصبح السؤال: أين هم خريجو الابتعاث؟

وهل فعلا أن هناك مبتعثين ما زالوا على الرف ولم تستفد منهم وزارة التعليم، أو بمعنى أدق لم تدخلهم إلى سوق العمل؟ وفي هذا التصرف تقصير إداري أدى إلى إهمال طاقة بشرية تم الاستثمار فيها ولم يتم الاستفادة منها؟ وإذا كانت أعداد خريجي الابتعاث لم يستوف شرط توازن المعادلة فلماذا يتباطأ إرسال المبتعثين ليسدوا العجز الحادث؟

ومثل هذا السؤال يلاحق وزارة التعليم في مراحل التعليم العام والجامعي، فمع بداية السنة ظهر ذلك الاحتياج في المدارس، حتى أن بعض المدارس (نسائية) أخذت تطالب بمتطوعات لسد النقص الحاصل في مدارسهن!

أعتقد أن أي جهاز يعلم تماما نواقصه واحتياجاته فإن لم يعلم بهذا، فهي إشارة تؤكد حاجته إلى إعادة النظر في كثير من آلياته وأساليبه التنفيذية.