عندما كنا صغارا نسكن وسط الرياض، كان شارع سلام بالنسبة لنا منطقة ترفيه، حوله نجد مساحات للعب كرة القدم وعلى أرصفته شاهدنا المثلجات لأول مرة فارتبط في أذهاننا بما يثلج صدور الصغار.

كان دوار سلام من أقدم الدوارات التي طبقت في العاصمة الرياض، إن لم يكن أولها على الإطلاق فاشتهر التوصيف وتحديد الوجهات والعنونة بدوار سلام، لم نكن نتخيل أن تصل التقنية إلى تحديد الوجهة بواسطة هاتف خلوي يحمله كل شخص وبتشغيل تطبيق (قوقل ماب).

أما الشيء الأعظم الذي لم نكن ندركه لصغر السن أو حتى نتخيله، هو أن يكون وطننا دوار سلام يبحث عنه ويحلم به كل من ينشد الصلح والعيش بسلام.

أدركنا شيئا فشيئا ومع التقدم في النضج الذهني أن وطننا يشكل دوار سلام للعالم أجمع يسلكه كل من أعيتهم الخصومة لعقد صلح تتبناه قيادة بلد أمين هم رجال نذروا أنفسهم ليكونوا دعاة سلام ومقصد خير للبشرية، رجال يتمتعون بثقة الجميع لأنهم ينعمون بتطبيق شرع الله في كل أمورهم ودستورهم القرآن، ويعملون وفق قوله تعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما...الآية)، ودينهم الإسلام الذي هو دين سلام للبشرية أجمع يدعو لحقن الدماء وحفظ النفس (من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا).

منذ ذلك الزمن البعيد الذي كنا نستخدم فيه دوار سلام منطلقا لوصف وجهتنا إلى حاضرنا اليوم، حيث تقنية الجوال و(قوقل ماب) كان وطننا وما زال وجهة سلام للعالم أجمع، فسجل التاريخ لقياداته وقفات صلح أسعدت شعوبا وحقنت دماءهم وأثلجت صدور صغارهم وكبارهم مثلما كانت مثلجات دوار سلام تثلج صدورنا ونحن صغار:

في عهد الملك خالد بن عبدالعزيز -رحمه الله- عقد مؤتمر الفصائل الأفغانية عام ١٩٧٨م، والمصالحة المغربية الموريتانية ١٩٨١م.

في عهد الملك فهد بن عبدالعزيز -رحمه الله- عقدت المصالحة اللبنانية (اتفاق الطائف) عام ١٩٨٩م، ومصالحة الفصائل الصومالية المتنازعة عام ١٩٩٠م، واتفاقية الوفاق الأفغاني ١٩٩٣م.

في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله- عقدت معاهدة الصلح بين أطراف القيادات العراقية (سنة وشيعة) عام ٢٠٠٦م، واتفاق المصالحة بين فتح وحماس عام ٢٠٠٧م، والمصالحة السودانية التشادية عام ٢٠٠٧م، والمصالحة الوطنية بين الحكومة الانتقالية الصومالية وزعماء العشائر الصومالية ٢٠٠٧م، ومبادرة الملك عبدالله للمصالحة القطرية المصرية عام ٢٠١٤م.

وفي عهد الملك سلمان بن عبد العزيز -حفظه الله- عقدت المصالحة الأفغانية عام ٢٠١٨م، والمصالحة الإريترية الإثيوبية عام ٢٠١٨م والقادم سيحفل بالكثير من صاحب القلب الكبير.