منذ بدأت كتابة الأغاني، التي ما هي للأصفهاني، ولا تمت له لا بصلة، ولا بأقل من ذلك، كنت دائما أمتنع عن كتابة «شاعر» أمام اسمي وأطلب من أصدقائي ألا يصفوني بذلك، فأنا أقول دائما أني بالكاد أكون شويعرا، ولكن من حق أي كاتب أغان، وحتى لو مشي حالك، أو حتى لو استعان بصديق، وهم كثر أن يسمي نفسه الشاعر الذي لا يشق له غبار ولا تراب، طالما جيبه عمران، ويدفع بالهكي ليغنى له ولو كلامه مر زي السنا مكي، كان زمان المطرب يجري وراء الكلمة الحلوة، ويحارب لكي تكون له، وقصص التنافس التي كانت وبالذات بين العملاقين طلال مداح (رحمه الله) ومحمد عبده (أمد الله في عمره) كانت تلك القصص تروى منهما، وعنهما من أقرانهما من الكتاب والملحنين، أما الآن فمدعو الكتابة هم الذين يجرون جري الوحوش وراء المطرب وقدامه، ليغني لهم وقول لهم خوش «طيب» والحقيقة أن الفئة الأولى، والتي أيضا تجري وانهد حيلها، هم كتاب الأغنية المميزون، ولكن ينقصهم أهم بيت في الأغنية ويسمى «بالقرنقش»، وهؤلاء تنطبق عليهم أغنية فوزي محسون «يا عيني حظنا تعبان دا مهما نسوي ما بيبان»، أما فئة خمس نجوم والكاش المرقوم وهات المعلوم وأحيانا المقسوم بين بعض المطربين ووسيط النجوم، هؤلاء الكتاب كلامهم عسل ولو من فئة الكراث والبصل، فمزيل الرائحة موجود وهو شيء يسمونه النقود، والحقيقة من حق المغني أن يستفيد طالما ذبحت حقوقه من الوريد إلى الوريد، ولكن أيضاً من حقنا كسميعة أن يعمل حسابنا في عمل أو عملين، زي الناس وتملا الرأس.

ولكن أهو كله يا أما طربقة أو مقام الكرد، وإذا عاتبته يسوي أصنج، وما يرد. وأزيدكم أن البعض صار ينقل الأغنية الهندية أو التركية بشحمها ولحمها ولو أزلنا الميم من لحمها ووضعنا نونا لصارت بلحنها، وعندما تبين له أن الأغنية هذه سمعتها ورأيتها في الفيلم الهندي أو التركي يرد عليك بكل بساطة هو في أحد داري، ناهيك عن بعض أدعياء المغنى، والواحد منهم تجيه وهو يزعق ما يسمونها «بالحالة»، وهو وصف للدرجة الأدنى من الجنان، من كثر ما يقامز هنا وهناك، وصوت بعضهم مثل صوت الفرامل، خصوصا إذا الفحمات محروقة، كما فيوز الطرب التي احترقت وانتهت صلاحيتها، وكان اللي كان.

انتقد بعضهم ذائقة بعض الأجيال الجديدة وهي معذورة، فقد وعت آذانها على هذا العك فظنته هو الفن الذي يسمع، ولو كان مقربع، وأكبر دليل أن ما هناك من تلك الأغاني من عاشت، حتى بالنسبة لغالبية مستمعيها، أكثر من موسم، فهي من قائمة الاستعمال لمرة واحدة. احترموا الفن يا أهل المغنى، وترى الفن عاوز فن ولا إيه؟!