منذ نشأة المملكة قبل ما يقارب العقود التسعة إلى الآن، حرص ملوكها جميعهم على الحفاظ على العلماء وعلى تقديرهم، وعلى رعايتهم وزيادة عددهم كمورد فكرى لا يمكن أن ينضب، وقد كانت إحدى الموارد المهمة لتكوين هذه الطبقة المميزة هى فكرة الابتعاث للخارج، والتي كانت أهم نتائجها ظهور أعداد كبيرة من العلماء في شتى الميادين والمجالات، لكن الفترة التي ظهر فيها فكر الصحوة والمرحلة التي تلتها شهدت ميلاد موجات متتالية من علماء الدين «العلوم الشرعية».

غير أن فكر الصحوة أنتج الكثير من الظواهر السلبية في المجتمع، ويعتبر أسوأ نتائجها هو ظهور الكثير من العلماء مجهولي الهوية، والذين انتشروا كالنار في الهشيم وتقلدوا الكثير من المنابر، ولا نعرف على وجه التحديد خلفية هؤلاء بالضبط، ولا نعرف أيضاً من أطلق عليهم صفة علماء، كما أن بعضهم لا يعرف شيئاً عن شعور الوطنية والمواطنة، وقد أصبح العلم الشرعي ومنابره بالنسبة لهم وسيلة للتربح السريع، وذلك من خلال وسائل شتى أخطرها إقامة علاقات مشبوهة مع دول معادية، غير عابئين بتأثير ذلك على تفكك المجتمع وتغلل نفوذ أعدائنا إليه.

من المؤكد أن هناك فئة منهم - والتي تمثل قلة قليلة في المجتمع- يعتمل في أنفسهم بركان مطمور من الغل والحقد الدفين تجاه المجتمع برمته، سواء تجاه عامة الشعب أو تجاه رموزه، ربما بسبب الظروف السيئة والتمزق الأسري والمناخ المشوه الذي صاحب نشأتهم من الأساس، وقد اعتادوا تفريغ شحنات الضغينة والحقد الدفين في صورة نصائح مسمومة تضمر تأليباً خفياً على ولاة الأمر، وتدعو للخروج عليهم، وخلالها يتذرعون بدعاوى شتى منها مكافحة الفساد، وهي دعاوى أريد بها الباطل، فمكافحة الفساد من واجبات ومسؤوليات الدولة بأنظمتها الحديثة المقننة، ويشهد الجميع أن المملكة لم تدخر وسعاً في محاربة الفساد ورموزه.

لا شك أن حماية المجتمع من هذه الفئة الأخيرة هي مسؤولية الدولة، بل إنها من أهم مسؤولياتها، كما أنه من المؤكد أن الدولة لا تحاسب هؤلاء على نياتهم ولا يحاكمونهم بالظن، ذلك أن تلك الفئة مرصودة من الأجهزة الأمنية من فترات طويلة، وتصرفاتها تحت المجهر الأمني، وعين الأجهزة الأمنية غير غافلة عن تصرفاتها وتحركاتها المريبة، ولاشك لدينا أنهم مُنحوا الوقت الكافي ليعيدوا تفكيرهم في سلوكياتهم المؤذية، وحصلوا على الفرص المناسبة الواحدة تلو الأخرى ليعودوا لجادة الصواب، ولم ولن يتم إيقاف أي منهم أو التحفظ عليهم إلا بعد ثبوت التهم عليهم بأدلة دامغة، ولاشك لدينا أن الدولة لم تتحرك على هذا النحو إلا بعد تيقنها من أن هذا التصرف هو الأفضل على الإطلاق لحماية مجتمع برمته، كما أننا موقنون أن أجهزة الدولة المختصة ليست مطالبة ولا مضطرة للإفصاح عما لديها من أدلة وبراهين، وذلك للصالح العام ولمصلحة التحقيق نفسه أيضاً.

بقدر ما نحيي أجهزة الدولة على جاهزيتها وحزمها تجاه كل ما يخص أمن واستقرار المجتمع، بقدر ما نهيب بالأجهزة الإعلامية بأن تقوم بدورها التوعوي في تعريف المواطنين بحقيقة هذه القضية القومية المهمة، ذلك أن البعض قد يتعاطف مع هؤلاء دون معرفة كافية بحقيقة الأمر، وبعضهم قد يخطئ الحكم نتيجة عدم إدراك كافٍ لطبيعة المشكلة ومدى تأثيرها على الأمن الوطني وعلى المجتمع ككل، غير أنه في واقع الأمر من يختلط بمثل هؤلاء ويتعامل معهم يجد التناقض الكبير بين سلوكياتهم الشخصية وبين ما يدعون إليه، فهم يقولون ما لا يفعلون، والقضية هنا أكبر من كونها مقتصرة على عدد من المتهمين الموقوفين؛ لأنها قضية أمن دولة بأكملها، وقضية استقرار شعب ومجتمع بجميع فئاته.

* كاتب سعودي