عرفته القرية شحيحاً على نفسه. لديه سارحة أغنام تشوق العين، إلا أنه لا يذبح، ولا يمنح، وأهون عليه تحرج أمامه ولا يضيّف، أو يتحسّن بطاسة مرقة على أهل بيته، وكثيراً ما انفعلت زوجته عليه وقالت بصوت مسموع «بقعا تفجعك إن كان ما تصخى للبسّ لقمة». فيردّ عليها «من تكاثر مرزقه يختي يبذّره، فتردّ عليه» حليلك يا مفقري وربي ينعم عليك، يموت الجفر عندك ولا تحرز تذكّيه).

معظم أكله من الوادي. يجمط له خلفة، وسنوت، وإن لقي ثمرة في شجرة تلقط ما يسد به جوعته، ضربت شمس الخريف رأسه، ولو لم يحظّيه الله براعية غنم عابرة من طرف مزرعته لبقي طريحاً وربما أظلمت عليه الدنيا وتعشته السباع.

كان الكُرّ يتفايض بالماء، ووجدت (شريفة )علبة فارغة معلّقة بسلك، فربطت شرشفها في السلك، وأندرت العلبة، وعادت تخرخر بقطرات من كل جانب. مسحت وجهه، وكبت الباقي على شماغه فأفاق، وتناولت يده، وأوصلته عتبة الباب، وعادت لتروّح حلالها.

شهقت زوجته عندما وضعت كفها على جبهته فإذا بها نار موقدة، واستنجدت بابنتها، فحملوه وسدحوه في الحدة. طلبت من البنت تزهم خالها. جاء يسعى متحفشاً أكمام ثوبه، وعندما رأى رحيمه، صاح «قطع الله إيد اللاش يالرحيم، لم تجاوبه إلا الزفرات، طلب الفقس، وجاءت أخته بالعلبة، فمرّخه، وكان يحدّث نفسه «والله لأردّ فينا وفيك الخصة».

تسامعت القرية بمرضه، فتقاطرت السيدات السخيات، اللي بطاسة فريقة اقط، واللي بغضارة لبن، وكلما وصلت وجبة، وضعها على جنب، مردداً، والله ما اشتي الكبدة، حتى يغادره الزوار، فيسفت كل ما تطاله يده.

استغل رحيمه رقدته، واستلم الغنم، كل يومين يلتقط رخل، ويكتم أنفساها حتى يخرج بها من السفل، ويذهب بها إلى بيته، يذبح ويطبخ، ويسنع المرقة المفلفلة، ويحمل نصف الذبيحة، ويأخذ عياله وينطلق لمعاودة المريض.

بعدما أفاق من حمى الخريف، نزل يتفقد غنمه، عدّها مرة، مرتين، وإذا بها ناقصة ثلاث من خيرة الرخال. تذكّر المرق واللحم الذي يفد به عليه رحيمه كل ليلة فبدأ يقصّد «يا غبوني. يا غبوني. يا غنميَه يا غنميه» وعاودته الحمى النفّاضة. علمي وسلامتكم.