أحمد سكوتي (جدة)
يبدو أن شهر يوليو وأغسطس الماضيين، يشكلان عند بعض الآباء عقدة تحجب عنهم وازع الضمير، وترفع لديهم عامل «الأنا»، وتطرح أمامهم على الأرض كل غال، ليروا أن فلذات الآباء لا يستحقون الطعام والشراب، ولا الملبس أو الإيواء، وتختلط عليهم الأمور فلا يرون إلا مسار الوعيد والقهر والعناد والانتقام من مطلقات مازالوا وفق نصوص الشرع أو عرف المجتمع أمهات أبنائهم، رضوا أم لم يرضوا.

قبل شهرين تقريبا (3 يوليو الماضي الموافق 19 شوال) أعلنت وزارة العدل أنها رصدت منذ بداية العام الهجري، وحتى توقيت النشر «قبل شهرين من نهاية العام» 5561 أبا ممتنعاً عن «نفقة الحياة» لأبنائهم، لتصدر بحقهم طلبات تنفيذ من دوائر ومحاكم التنفيذ، والتي ألزمتهم بسداد 95 مليون ريال.

وإذا كان الأمر اعتياديا في ذلك الحصر، إلا أن غير الاعتيادي أن يأتي جرد نهاية العام الهجري، متضمنا سجل الآباء الممتنعين أو قيمة الأموال الملزمين بسدادها، لتظهر المفاجأة أن العدد في شهري يوليو وأغسطس، قفز إلى الضعف تقريبا، فخلال 10 أشهر تقريبا، تم رصد 5561 أبا ممتنعاً عن النفقة، تم إلزامهم بسداد 95 مليون ريال، ليتصاعد العدد مع نهاية العام ويصل إلى 7107 آباء ممتنعين عن النفقة، تم إلزامهم بدفع 180 مليون ريال، مما يعني أنه خلال شهري يوليو وأغسطس فقط، صدرت طلبات بحق 1546 أبا، بقيمة 85 مليون ريال، وهو عدد في ظاهره «الرحمة» لصغار لا يملكون من أمرهم شيئا وكانوا لا يتوقعون من آبائهم سوى «الوجه الأبيض»، لكنه في «باطنه» العذاب لذات الأبناء الذين اكتووا بنيران الحرمان وقهر المنع والوقوع ضحية للفعل وردة الفعل بين زوجين لا يرقبون في أحد، «إلاً ولا ذمة».

صحيح أن المحاكم نجحت في القيام بدورها في ردع المتهاونين، والعمل على حماية الصغار من التشتت، لكن الأصح أن المحاكم ابتليت العام الماضي بأكثر من 7 آلاف طلب، شغلت عشرات من القضاة، وحررها عشرات من المختصين وعشرات من الإداريين، فباتت المحاكم مشغولة بأبسط أبجديات تقاسم الحياة وشراكة العمر، بعدما غاب دور الوسطاء وإصلاح البين داخل الأسرة الواحدة وفي محيط أضيق ثم أوسع، لتجد كل الأطراف نفسها في محكمة تلزم الأب بدفع قوت الأبناء، الذين سيأتي يوما عليهم ويتناجون ولو مع أنفسهم، بالقول «أبي.. لِمَ أنجبتني؟»!