بدر عبدالعزيز
اعتلى فلاديمير بوتين سدة الحكم في الكرملين نهاية الألفية الثانية، على أنقاظ دولة لاتزال مظاهر الشمولية تجري في كل عروقها، فأقصى المجموعة الليبرالية القليلة في البرلمان، وأحاط نفسه بالمتشددين، ثم بدأ رحلة البحث عن أمجاد دولة عظمى تقهقر دورها بسقوط الاتحاد السوفيتي حتى بات إقليمياً، انغمس في مهمته الغامضة ذات الملامح الاقتصادية، استخدم التكتيكات أكثر من الإستراتيجية، وبمرور الوقت بدا كأنه لا يخسر ولا ينتصر، حتى جاءته الفرصة التاريخية عند اتفاق الاتحاد الأوروبي على ضرورة استخدام الطاقة النظيفة. لاشك أن روسيا المُصدِّر الأول للغاز في العالم، وأوروبا ثاني مستهلك في العالم، وبتصاعد أهمية الغاز الطبيعي مقابل النفط فقد أصبح أداة أساسية لتحقيق الأهداف السياسية، ولذلك أنشأت روسيا خطي أنابيب، شماليا يصل إلى ألمانيا مباشرة عبر بحر البلطيق والذي من المفترض أن يُغذِّي فنلندا والسويد والدنمارك، وهذا الأنبوب عارضت أوكرانيا على وجوده، وهو ما يفسر احتلال روسيا شبه جزيرة القرم لتصبح أوكرانيا بعيدة جزئياً عن البحر، وبالتالي يكون تأثيرها محدودا على الاتحاد الأوروبي. وخط أنبوب جنوبي عبر البحر الأسود يصل إلى اليونان ومنها إلى إيطاليا وهنقاريا والنمسا، وهو ذو أهمية أكبر على المدى البعيد كونه يتقاطع مع مشروع أنابيب نابكو الأمريكية، فقد يكون إضافة لتصدير الغاز أداة لتعطيل المشروع الأمريكي في المستقبل، وهذا ما يفسر أيضاً تدخل بوتين لحماية نظام الأسد وذلك للسيطرة على احتياطي الغاز الذي تسبح فوقه سورية. إن بوتين يسبق أمريكا الآن بمسافة في مجال استغلال حقول الغاز الطبيعي، وزاد عليها بتفعيل الآلة الإعلامية من خلال قناة روسيا اليوم التي تبث بخمس لغات لإيصال صوته للرأي العام العالمي، ومن ناحية أخرى تطوير العقيدة العسكرية لتعتمد على الحروب الإلكترونية. كل هذه العوامل مجتمعة إذا نجحت ستجعل منه قيصراً يحكم روسيا فترة طويلة ويتحكم بمفاصل السياسة العالمية. فهل ستسمح له الولايات المتحدة والدول ذات التأثير بذلك الانفراد أم سيتم تعطيله ليكون التوازن الدولي سيد الموقف.

Badr.alghamdi.kfsh@hotmail.com