لم يتوفق (جعدان) في التحصيل العلمي الذي يؤهله لمناطحة أنداده. التحق أبناء جيله بمعهد المعلمين الابتدائي، وظل هو يكافح مزارعاً وراعياً، دون أن يحنّ عليه أحد، ويشيل عنه شعبة، وكما يردد دائماً على مسامع زوجته، ما يسدّ في الحلال إلا راعيه.

كان رفاقه يهبطون أودية ويصعدون جبالاً ليصلوا إلى مركز المدينة، للدراسة في المعهد، وكان يتابعهم من فوق الجناح ويرى غرم الله أسرعهم وأخفهم، سأل زوجته: مدري منين لغرم الله كل هذي العافية، ما تشوفين مدّة خطوته قالت: (حرامي بيض) يستيقظ قبل والدته كل يوم، ويعمد دجاجها فينفرها ويجمع البيض يفقّعه ويشربه على الريق. وأضافت: سألته أمه ذات يوم: انت اللي تتسرق بيض دجاجاتي؟ فقال: قلي يا الله: إن كنت سرقت بيضك يفقدني أمي. وإن كان تتهميني ظلماً يفقدك أمك، فقالت: آمين.

جعدان لم ينجب وحيده (دجعان) إلا على كبر. وولد الشارب للحية، وولد اللحية لأم السكون. كان ابناً مدللاً في القرية، ومن شدة خوف أبيه عليه لم يلحقه بالمدرسة، لعدم ثقته في المدرسين الذين يعرف قدراتهم جيداً، ويقول شهادتي أكبر من شهاداتهم، وعندما يسألونه: وش معك من شهادة؟ يردّ: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

عندما بلغ ابنه التاسعة أشغل أمه بربط الحمير بشماغه في اللوز، قالت: يا ولدي قطّعت عمايمك على حمير بقعا. اصطحبه أبوه إلى المدرسة، دخل عليهم غرفة الإفطار ويداه على مشعابه الممتد على منكبيه، قالوا بصوت واحد: تفضّل. قال: سبقتكم، مير ودّي بالولد يدرس عندكم. أنزل المشعاب إلى الأرض، وأقسم يا من يضربه لأي سبب ليختلط شرّه بشرّهم، فنشبت اللقمة في حلق مدرّس وافد. ردّ عليه المدير: أبشر بسعدك. ما لك إلا ولد يقرأ.

تعلّم دجعان سريعاً. وعندما يعود إلى البيت يبدأ بتطبيق ما تعلّم على الشيبان. لم يتحمل الأب نقد ابنه، وكثرة أسئلته. نبّش شنطة الشيبة. أخرج منها الوثائق والحجج، ووزعها على ورثة محرومين، فاندلعت الفتنة في القرية. ونشبت النشايب. ردد (جعدان): ليتنا انتسمنا من القراية، هذي ثمرة (ما لك إلا ولد يقرأ). علمي وسلامتكم.

Al_ARobai@