كتبت ذات يوم عن طرفة مدير عام الأباريق، وهو على ذمة الراوي موظف عام وصل قبل عشرات السنوات إلى منصب مدير عام فسمح له منصبه الإداري بإصدار الأوامر على مرؤوسيه اذهب.. تعال افعل.. لا تفعل، وكان يعن له في بعض الأحوال رفع صوته الحاد على بعض موظفيه إذا كان في مكتبه زائر من أصدقائه لينال إعجاب ذلك الزائر فيخرج ويتحدث عنه وعن هيبته وقوته وشخصيته وأنه ما عنده لعب!، فلما أحيل للمعاش أحس بالفراغ وعرف أنه قد فقد ما كان يتمتع به من سطوة وقوة وفجعه أن بعض من كانوا يقفون ضارعين بين يديه من موظفيه أصبحوا يمرون عليه وهم عنه معرضون، فأخذ يفكر ويقدر حتى هداه تفكيره إلى إقناع مؤذن الجامع المجاور لسكنه بأنه يريد القيام بعمل خيري على حسابه وهو شراء عشرة أباريق للوضوء والإشراف على ملئها بالماء وجعلها في متناول أيدي المتوضئين وإعادة ملئها مرة أخرى كلما استخدمت، فأذن له المؤذن بذلك وشكر له حسن صنيعه لاسيما أنه لم تكن توجد في المساجد دورات مياه مزودة بصنابير موصولة بخزانات بل كانت الأباريق والعلب هي وسيلة الوضوء في ذلك الزمان، فقام الموظف السابق بتلوين الأباريق بعدة ألوان زاهية فهذا الإبريق طلاه باللون الأزرق والآخر بالأصفر والثالث بالأحمر والرابع... والخامس ثم ملأها بالماء ورصها أمام باب الجامع فإذا جاء شخص وأراد أخذ إبريق الوضوء صاح به «المدير العام» لحظة لو سمحت أترك الأبريق الأبيض خذ الأبريق الأزرق وهكذا كان يفعل مع المتوضئين على مدار الليل والنهار شاعراً بأنه لم يفقد نشوة إصدار الأوامر الحازمة حتى سماه أهل الحي مدير عام الأباريق!

هذه الطرفة وصورها وعبرها تحضرني كلما دخلت دائرة أو مصلحة أو حتى مستشفى، حيث يجد من يراجع في أمر من الأمور أن معظم العاملين في الإدارة أو «الطهارة!» حريصون على إصدار أوامرهم الصارمة الموجهة للمراجعين فإذا دخل المراجع باب الإدارة ووقف يسأل حارسها عن موقع المكتب أو الموظف الذي يريد مراجعته وجد من يسحبه من كتفه قائلاً له: جنب لو سمحت!، وإذا وقف أمام الموظف المختص لسؤاله عن معاملته أو المطلوب توفيره وكان الأخ منشغلاً بحديث ضاحك مع زملائه أو زميلاته أو مع المدام عبر الجوال جحد المراجع بنظرة قاسية صلبة وأمره: اجلس! فإن جلس المراجع تجاهل وجوده وربما خرج من المكتب فجأة فيظل ينتظره ساعة أو ساعتين فإن عاد من مشواره فإنه يسأل المراجع بصلافة وكأنه يستنكر وجوده في مكتبه مع أنه ليس مكتب أبيه: هاه إيش عندك! فإن أعلمه بموضوع مراجعته فوجئ به يقول له: معاملتك ليست عندي.. هيا تفضل لو سمحت ولو سمحت لا معنى لها لكنها عبارة طرد مهذب لا يملك المراجع أمامه سوى الإذعان لأنه قد لا يجد أي جواب في حالة سؤاله عمن يراجع في معاملته؟ بل قد يسمع منه ما لا يسر من قول أو يجده ينظر إليه نظرة فاحصة ثم يعطيه ظهره العريض الذي يناسب برذعة مزركشة! وعندما يجد المراجعون موظفاً لطيف المعشر حريصاً على التفاني في خدمة المراجعين محللاً لكل ريال من راتبه الشهري فإنهم يأخذون في الحديث عنه بإعجاب منقطع النظير وكأنهم وضعوا أيديهم على خاتم سليمان واعتبروه جوهرة نادرة في هذا الزمان!

* كاتب سعودي

mohammed.ahmad568@gmail.com