العطلات الموسمية فرصة للترويج عن النفس والاطلاع على ثقافات الأمم الأخرى، خصوصا إذا كانت العطلات قضيت في سفر للخارج، فكما يقولون في الأثر في السفر فوائد سبع. منذ أيام كانت هناك مناسبة رياضية سعودية مميزة، وهي مباراة السوبر التي أقيمت في العاصمة البريطانية لندن بين فريقين معروفين بأن لهما قاعدة جماهيرية كبرى في السعودية هما الهلال والاتحاد. استغلت المناسبة وجود أعداد كبيرة من السعوديين في العاصمة اللندنية لقضاء عطلة الصيف، وبالتالي ضمنت بذلك حضورا جماهيريا لافتا وكبيرا، ولكن كان أيضا محبطا، هشاشة في استغلال المناسبة ثقافيا وعدم الاستفادة أبدا من الحدث. مع المناظر المقززة لعدد كبير من الشباب السعودي المتسكع في الشوارع بمظاهر غريبة وسلوكيات عجيبة، جعلت الصورة النمطية للشاب السعودي تحديدا والخليجي عموما مقارنة بسياح الدول الأخرى اليابان، الصين، أو الهند مثلا؟! كان الأجدى استغلال هذه المناسبة ثقافيا وذلك «بربط» برنامج المباراة للشباب بزيارة بعض المتاحف المميزة، وهي متعددة وكثيرة، وكذلك حضور مسرحيات شكسبيرية، وأن تكون استراحة بين الشوطين مناسبة لإقامة أوكسترا الموسيقى الكلاسيكية. وبذلك يكون الحدث فرصة للانفتاح الثقافي على الأمم وكسر رهبة الجفوة والفجوة الحضارية بيننا وبين غيرنا من الثقافات والأمم، وتقليص مساحة العنصرية الموجودة. المناسبات «الكبرى» هي فرصة لبناء جسور التواصل مع الأمم والانفتاح الواثق للاستفادة من علومهم وحضاراتهم، خصوصا أننا مطالبون بالسعي للوصول إلى الحكمة والعلم من أي مكان. الثقافة رسالة متواصلة لا تنقطع ولا تعترف بمكان ولا زمان، فهي أشبه بالهواء والماء مع الإنسان من المهد إلى اللحد في سعيه المستمر للارتقاء بنفسه وتهذيب ذائقته بشكل متواصل، وعليه الرسالة الثقافية سواء ما نحصل عليه من الغير أو ما نقدمه للآخر مطلوبة باستمرار، وللأسف ضاعت فرصة الاستغلال الثقافي المثالي لمناسبة مباراة السوبر الماضية، لأنها اعتبرت مناسبة رياضية تقليدية فقط وغاب البعد السياحي والثقافي عنها فأتت مناسبة مثلها مثل غيرها انقضت بمرورها. وما يحصل في لندن في مناسبة مباراة السوبر ممكن أن يتكرر في العواصم التي يتواجد فيها السعوديون بأعداد كبيرة مثل مصر وفرنسا وأمريكا والإمارات العربية المتحدة على سبيل المثال لا الحصر. الشباب واجهة البلاد الحضارية للمستقبل، وليس بالتعليم والعلم وحدهما يتم تسليحهم، ولكن أيضا بالإعداد الثقافي الجيد في كل مناسبة ممكنة لبناء شخصية «عالمية» تتمكن من أن تكون جزءا حيويا من هذا العالم المتشعب الواسع المختلف المتنوع بثقافاته وحضاراته، وهذا لن يتأتى إلا ببرامج ثقافية مستمرة تستغل كل مناسبة على مدار العام. التفكير بشكل جديد وغير تقليدي هو أكبر تحديات الخطاب الثقافي السعودي الذي ظل أسيرا ولسنوات طويلة في قوالب الممنوع والمحظور. كسرت الصناديق وجاء وقت الانطلاق بخيال حدوده السماء لأجل مستقبل أفضل.

* كاتب سعودي