يقول ابن خلدون إنّ المدن العمرانية تتوجه شمالاً أثناء توسعها، وهذا التمدد شمالاً أمر نلمسه في كبرى مدن المملكة الآن، حيث إن الطقس في جهة الشمال أبرد.

هذا الامتداد والتوسع باتجاه الشمال ليس خاصاً فقط بمدن الأندلس والمغرب التي عاش فيها ابن خلدون وزارها قبل أن يضع مقدمته أو يسجل ملاحظته في التوسع العمراني ولا هو خاص بالمدن السعودية الكبرى وإن ضربنا بها المثل، بل هو سلوك عام، بدليل أن دول العالم اليوم تحاول أن تسيطر على القطب الشمالي، وتتنافس عليه كبريات الاقتصاديات الدولية بسبب موارده الطبيعية العظيمة كالغاز والبترول.

ولعله من سوء حظ البشرية المعاصرة المهددة باندلاع الحرب العالمية الثالثة في أي لحظة أن القطب الشمالي لم يتم ترسيم حدوده أبداً ولم يقسّم بين الدول التي تشرف على المحيط المتجمد الشمالي، وهي: أمريكا، وروسيا، وكندا، والنرويج، والدنمارك التي تسبح جزيرتها جرينلاند في المحيط على مقربة من القطب الشمالي المتجمد، وإن كانت أغلب هذه الدول لاتستثمر في القطب الشمالي، لكن حدود الدول من جهته لها مكانة كبيرة.

ففي الاقتصاد الروسي أكثر من 11% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد وأكثر من ربع الصادرات الروسية يتم توفيرها في المناطق التي يعيش فيها أقل من 2% من الروس في شمال روسيا. ففي الشمال توجد إلى جانب الثلوج والصقيع الموارد المعدنية الرئيسية في روسيا كالغاز والفحم والبترول وغيرها، وتوجد فيه أيضا احتياطيات كبيرة من مياه الشرب النظيفة.

ومن عجائب القطب الشمالي أن تنفيذ مشاريع السكك الحديدية ووضع بنيتها التحتية وصيانتها تكلف خمسة أضعاف التكلفة مقارنة بسعر تكلفتها في الدول الجارة من جهة الجنوب. وفي المقابل فإن تكلفة إنتاج الغاز الطبيعي المسال تقل تكاليفه بمقدار الثلث على الأقل عن تكاليف إنتاجه في دولة قطر.

وبما أن الشيء بالشيء يذكر فسأقول إن في تسابق الدول على الاستثمار في القطب الشمالي فيه تهديد كبير لدولة قطر التي يعتبر إنتاج الغاز فيها الشريان الاقتصادي الرئيس للدولة. هذا عدا اكتشافات حقول الغاز التي تتوالى أخبارها من مملكتنا وغيرها من الدول. فهل تعي قطر خطورة التفريط في أموال الغاز الذي إن لم ينضب فهو لن يباع بسعره الذي اعتادوا عليه.