لم تكتف روسيا بتدشين النظام العالمي المتعدد الأقطاب مع الصين، بل تقوم أيضا بتجنيد قدراتها لإضعاف الدور القيادي للولايات المتحدة في أماكن نفوذها في الشرق الأوسط أوروبا وآسيا. قد تكون السياسة الخارجية للولايات المتحدة في عهد الرئيس السابق باراك أوباما ساهمت في انحسار دورها، حيث اتسمت سياسة أمريكا آنذاك بالنأي بالنفس حينا وبالقيادة من الخلف حينا آخر. لكن اللافت أن السياسة الخارجية الروسية في السنوات العشر الأخيرة عملت بإستراتيجية منتظمة تتجاوز آلية الاكتفاء بملء الفراغ إلى إرساء أسس علاقات دولية اقتصادية وأمنية يكون مركز ثقلها في الشرق. كان خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مؤتمر ميونخ للأمن عام 2007 نقطة التحول التي باشرت بعدها روسيا بالتزام منهج يهدف إلى تنحية الولايات المتحدة عن قيادة نظام دولي أحادي القطب. لم يؤخذ خطاب الرئيس الروسي في عام 2007 أو حتى عقيدة الدفاع الروسية الصادرة عام 2010 على محمل الجد في الولايات المتحدة والغرب عموما. السبب في هذا التجاهل الغربي، وكيفية نجاح الإستراتيجية الروسية، الصينية والإيرانية هو محور كتابي The Syrian Conflict الذي سيصدر في ٢٩ أغسطس عن دار Routledge. السؤال الذي أتناوله في هذا المقال هو ما هي خيارات الدول الإقليمية في خضم هذا التنافس المحموم، علما بأن إدارة الرئيس ترمب تجيش السياسة الخارجية الأمريكية لمواجهة هذا المد الروسي والصيني؟

القوى الإقليمية الوازنة في منطقتنا ترى في تنافس الولايات المتحدة مع روسيا والصين تحديا جديدا وفرصة لانتهاج سياسة تنويع التحالفات وتشبيك المصالح الاقتصادية مع الجميع. من خلال تقييم أولي يعتبر هذا التوجه خيارا إستراتيجيا صائبا في المفهوم الجيوسياسي ومنطقيا في لغة العلاقات الدولية. لكن لا يمكن الركون إلى رجاحة هذا التوجه على المدى البعيد إلا بعد دراسة متأنية لما يعرف بـsecond order وthird order effects أي الآثار الثانوية وآثار الدرجة الثالثة لهذا الخيار على مصالح الدولة. خاصة أن دول إقليم الشرق الأوسط تتفاوت تاريخيا في اصطفافها مع المعسكر الغربي مقابل المعسكر الشرقي، وتوطيد العلاقات مع روسيا والصين الآن ستكون له تداعيات مختلفة على الدول استنادا لانسجامها أيديولوجيا مع القوى الصاعدة من عدمه.

المراجعة الدقيقة لتصريحات الرئيس بوتين والرئيس شي جين بينغ، بالإضافة إلى بيانات وزارة الخارجية والدفاع في السنوات العشر الأخيرة، تشير إلى سياسة متسقة لكل من روسيا والصين نابعة من قناعة أن القيادة الأمريكية يجب أن تتنحى عن احتكار القرار الدولي وتمتنع عن سياسة تغيير الأنظمة والتدخل في الشؤون الداخلية للدول. روسيا والصين أيضا تريان في إيران الحليف الإستراتيجي المتوائم معها أيديولوجيا. فما يجمع روسيا والصين وإيران أبعد من المصالح الاقتصادية والأمنية إلى تنسيق على إيجاد بديل للنظام العالمي الليبرالي الذي أنشأته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. ما يصفه الإعلام الإيراني مثلا من خطورة «الإمبريالية الغربية والاستكبار العالمي» نجد أصداءه في الأدبيات الروسية والصينية.

مع اقتراب انتهاء معاهدة لوزان في 2023 فإن تركيا أيضا بدأت في استجرار المظلومية التاريخية والتعهد بالنهوض في وجه التعنت الغربي، ولا يخفى على القارئ أن تركيا لها، بالإضافة إلى العلاقات التجارية المتينة، علاقات تاريخية تمتد إلى 400 سنة مع إيران.

روسيا (والصين) تقدم نفسها الآن في منطقة الشرق الأوسط على أنها الحليف الموثوق والبديل للولايات المتحدة وتعمل على اقتطاع حصة سوقية أكبر في تركيا والعراق ومصر ومع دول الخليج. الهدف يتجاوز ملء الفراغ الأمريكي إلى إيجاد صيغة تعاون بديلة لا تخضع لضغوطات الولايات المتحدة وأوروبا والناتو. فإذا سلمنا أن تنويع التحالفات خيار إستراتيجي لدول المنطقة في خضم هذا التنافس بين الدول العظمى، فما هي تداعيات وآثار هذا الخيار على المدى البعيد؟ لا شك أن روسيا حليف موثوق لسورية وإيران ووقوف روسيا التاريخي لدعم الحكومة السورية سيدرس لاحقا في كتب الإستراتيجية العسكرية ومهمات الاستقرار (stabilization missions)، ولكن ما هو الهدف من التقارب الروسي مع دول المنطقة؟ الهدف هو تقوية نفوذ روسيا وإضعاف نفوذ الولايات المتحدة دون إعطاء ضمانات وتعهدات أمنية تماثل ما منح لإيران وسورية. من الأسئلة المشروعة هنا: إذا كان الخيار الروسي (والصيني) لا يقتصر فقط على تبادل المصالح، فهل من مصلحة دول الخليج إضعاف الولايات المتحدة ونفوذ الناتو بطريقة غير مباشرة في المنطقة؟ صحيح أنها أسئلة استشرافية ولكنها أسئلة تحاول أن تتوقع سيناريوهات متعددة بهدف إيجاد آلية تعامل استباقية تقلل من الضرر وتدعم الاستقرار.

* رئيسة مركز دراسات المخاطر السياسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في الولايات المتحدة الأمريكية