كنتُ قد كتبت سلسلة مقالات عن التاريخ الشعبي للاحتلال العثماني للجزيرة العربية، نُشرت في هذا العمود وهذه الصحيفة قبل أشهر. تناولت فيها ما رواه الناس من ظلم وقع على العرب وامتهان لكرامتهم وإيذاء لفرسانهم وتقتيل وتشريد. ورويت ما تيسر لي وما استوعبه العمود دون إطالة رغم فيض ما لدي من قصص لها أسانيدها الثابتة ومروي عنها بعض القصائد والأبيات لحفظها في التاريخ الشفهي والتراث الشعبي كما جرت عادة العرب.

وكان أن قرأ والدي السلسلة التاريخية ثم سألني: أتريدين سماع ما هو أعجب من سفر برلك وجرائم فخري باشا؟

ثم أكمل دون أن ينتظر جوابي، بعد أن حاصر العرب فخري باشا في المدينة ثم هرب عائداً لتركيا بالمسروقات من الحجرة الشريفة وقد اختطف الرجال والأطفال لتجنيدهم في الجيش التركي فيما سمي بحملة سفر برلك. بقي صعلوك أحمق من رجال الترك كان يعمل في السوق ولديه بازار تركي. لكنه أفلس وساءت أحواله بعد انتهاء الاحتلال التركي للمدينة المنورة فصار يمشي في السوق بين أهالي المدينة بثياب بالية ويقول لهم بلكنته التركية المتعالية وهو باسط يده: تصدقوا على سيدكم التركي.

نعم حتى وهو «يتسول» يرى في نفسه سيداً على العرب.

وهذا بالضبط ما يفعله أردوغان وهو يتجول بين العواصم الخليجية بحثاً عن تبرعات تدعم الليرة التركية وتزيد قيمتها قبل أن تنهار تماماً ويصبح الناس يكنسونها من الشوارع كما حدث مع التومان الإيراني أو ينخفض كما انخفض الروبل الروسي. الفرق بين القصة التي رواها لي والدي وقصة أردوغان أن أهالي المدينة تبرعوا للرجل التركي المتعالي من باب الشفقة، لكن الذين سيتبرعون الآن لأردوغان سيفعلون ذلك من باب زمالة الحزب الحركي السياسي، وليس كما يدعون من باب الأخوّة والإسلام. أو كما يقولون في تغريداتهم وتسجيلاتهم المثيرة للشفقة والتقزز في آن من أن الاقتصاد التركي مستهدف. والنموذج السياسي الإسلامي الأردوغاني مستهدف أيضاً.