اللحظة التي أعير فيها كتاباً لأحد، يبدأ اشتياقي إليه، والكتاب الغائب عن الرف، يصبح فجأة أكثر أهمية من جميع الكتب الموجودة، يذهب عقلي مباشرة للفراغ الحزين على الرف، طمأنينتي تتحطم، توازني يختل، وحتى يعود كتابي إلي، أتذكر في إحدى روايات «فيليب روث» حين تزوج أحد أبطال القصة من فتاة فقط كي يتمكن من استعادة كتابه المستعار!! لن أحدثكم عن الخاطف، فالدنيا «حج»، ولكن سأحدثكم عن المخطوف والذي أعيد من دون فدية.
هو كتاب من أجمل الكتب التي تحدثت عن «الحج» في الماضي، كتبه الكاتب التونسي المخضرم «حميدة بن قاسم»، الكتاب هو فيضان من الذكريات المتدفقة، ورحلة روحية صوفية يرصدها لنا بتأنٍ، وتراتيل طقس عن مظاهر «الحج» في تونس، الكتاب مثل كوة «صندوق الدنيا» الذي يعرض صوراً عديدة تتحرك بلولب يديره صاحب الصندوق، وهو يروي القصة بصوته ويعلق عليه، الكتاب طرف صناعي وظيفته التذكر، بكل ما تكتنزه ذاكرة الكاتب، كسحابة مملوءة بالمطر، يتحدث عن تاريخ كاد يموت تحت الصفصاف، لو لم تتعقبه الروح، ولحظات أخرجها من العدم وجعلها تلمع من جديد في زري الأيام، يسرد لنا ما ينطوي عليه النسيان، يتحدث عن بقايا حياة ولت، يتعقبها من جديد ليجعل كل شيء يتحرك أمامنا، وليجعل ما هو فان لا محالة، أطول عمرا بقليل.
سأصمت الآن، وأدع «حميدة بن قاسم» يحدثكم، حيث يقول كل سنة تقريبا كنت أحضر مغادرة أحد أفراد العائلة للحج الذي يدوم قرابة ثلاثة أشهر، الإعداد النفسي للحاج المستقبلي مذهل، فقبل أسبوع من انطلاق رحلة الحج، كان أفراد العائلة والأصدقاء يجتمعون كل ليلة في منزل الحاج المستقبلي، حيث تنتصب فرقة العيساوية، وهم جمع من حوالي عشرة أشخاص ينشدون طيلة جزء هام من الليل على دق البندير أناشيد دينية، كان الحاضرون والحاج المستقبلي يجلسون على الأرض، في مقابلة المنشدين، مفترشين الحصير أو الزرابي، كان يطلق على هذه الأجواء تسمية «التشويق»، بمعنى إدخال الحاج المستقبلي في الأجواء الدينية، وتحضيره لوضعيته «الطهرية» الجديدة، كان النساء يسترقن النظر والسمع إلى الغرفة التي كانت توجد بها فرقة المنشدين، وكان بعضهن، ومنهن أمي، لا تتماسك مشاعرهن، فترى الدموع في أعينهن، خصوصاً عند سماع نشيد «يا مكة شوقك ناداني متوحش والبعد كواني»، أو «طلع البدر علينا من ثنايات الوداع». مع فرقة المنشدين كان أحد الرجال يتجول بكانون في يده، يضع فيه من حين لآخر البخور، الذي يزيد من روحانيات الأجواء، عندما يترك هذا الرجل الكانون في صحن المنزل، كان بعض النسوة يحاولن أن يلامسن بثيابهن دخان البخور للتبرك، في عصري كانت رحلة الحج تدوم ثلاثة شهور، وتنطلق الرحلة من ميناء بنزرت باتجاه جدة، في يوم الانطلاق كان كل حجاج البلدة المستقبليين، الذين سيغيبون عن عائلاتهم حوالي ثلاثة شهور يجتمعون في ساحة البلدة، يرافقهم تقريبا كل أهل البلدة، منشدو العيساوية، وجمع آخر من الرجال يحملون الأعلام المختلفة الألوان، ثم ينطلق هذا الجمع في جولة في كل أركان البلدة كعلامة ربما على الوداع، كانت النسوة يسترقن النظر لهذا الركب من خلف الأبواب والنوافذ، وكان بعضهن ترششن بعض الماء على الحجاج، كرمز للخير وصفاء الروح، الذي سيمتع به الحاج على أثر رحلة الحج..
استطراد سردي جميل، مسهب، يسلب الفؤاد، فعلا ماذا تصنع بذكرى لا تستطيع أن تكون سوى ذكرى، غير إعادة سردها، وجعلها روحا تطفو فوق ينابيع الشعاع، وحكايات بيضاء تتراقص فوق هامات البشر، كأنها ضوء عائم في الأنهار يحرسها السوسن، ويرسم خطوطا كخرائط الشعراء لترويض الوقت، وتجعل الحياة حيواناً أليفاً!!
* كاتب سعودي