تشير تقارير اقتصادية صدرت في المملكة أخيراً إلى أن موجودات السعوديين داخل البنوك تصل إلى تريليوني ريال تقريبا، معظم تلك الموجودات هي لأفراد، فما الذي دفع السعوديين لإبقاء مدخراتهم داخل البنوك، والإحجام عن الشراء وتدوير المال داخل شرايين الاقتصاد المحلي حتى انخفضت عملياتهم إلى أرقام قياسية، كما تقول ذلك حالة الركود التي أصابت قطاعات مختلفة.

لنعد قليلا للأعوام بين 2003 - 2005، في تلك الفترة كان السعوديون يعيشون واحدة من أهم طفرات سوق الأسهم التي مروا بها، حتى وصل المؤشر لأرقام قياسية ربما لن يعود إليها إلا بعد سنوات طويلة.

تلك التجربة المالية غيرت من سلوكيات الكثير، فنمت المظاهر وراجت فكرة الثراء السريع، ومالوا نحو المخاطرة الشديدة في الاستثمار بحثا عن الربح السهل والتحول نحو الغنى بدون مجهود.

بالطبع ليس معيبا وليس خطأ أن يبحث الأفراد عن تحسين مداخيلهم والتحول نحو الغنى، لكن سنن الحياة منذ بدء الخليقة وحتى اليوم تؤكد أنه لا يمكن للجميع أن يصبحوا أثرياء، بل إن القلة والناجين من المخاطر هم من سيكونون أغنياء على حساب الأكثرية، اندفع الكثير وراء بريق سوق الأسهم، إضافة لشركات ومؤسسات توظيف الأموال، وحتى الأفراد الذين أعلنوا عن أنفسهم كمديرين للاستثمارت، وثق فيهم السعوديون وأعطوهم أموالهم عن طيب خاطر.

كانوا يظنون أن المخاطرة العالية يمكن أن تحقق لهم العوائد الكبيرة من خلال الأمنيات فقط، وتناسوا أن المخاطر تعني في الوقت نفسه التخلي عن المدخرات والأصول دون رجعة، ونتائجها في حال التدهور دائما ما تكون كارثية، وهذا ما حصل، لقد كان الدرس قاسيا جدا.

الذين تخلوا عن أصولهم من بيوت وعقارات وجدوا أنفسهم يمتلكون أسهما لا تساوي 10% من قيمة شرائها، ومن اقترضوا كانت البنوك تلاحقهم وتبيع محافظهم لتحصيل أموالها، وأضحى الكثير منهم ما بين مطارد لدائنيه أو مكسور يبحث عن سداد المستحق عليه أو نادم على ما اقترفت يداه.

اليوم وبعد 13 عاما من تلك الضربات القاسية، يبدو أن السعوديين تعلموا الدرس جيدا، فادخروا الأموال، ويترددون في إخراجها أو صرفها دون حاجة.

في رأيي أن ما حصل كان انحسار الرغبة في الشراء، خاصة ما لا حاجة للسعوديين به، والاكتفاء بالموجود والاستمرار في استخدامه، والتخلي عن سلوكيات التبذير والشراء دون اضطرار، الإبقاء على السلع المعمرة أطول فترة ممكنة كالسيارات والأجهزة الكهربائية والأثاث، وما حدث في سوق السيارات مثال واقعي حين انخفضت مبيعاتها بين 30% إلى 50%، انخفاض الرغبة في السفر لخارج المملكة بحثا عن السياحة والترفيه، خاصة مع وجود برامج ترفيه محلية بديلة قدمتها الهيئات المسؤولة.

إنها مجموعة من التغيرات الاستهلاكية الجذرية التي تشير إلى التحول نحو الإنفاق الذكي والنوعي، والبحث عن الأسعار المنخفضة وتأجيل الشراء حتى يجد المشتري السلعة المناسبة له ولميزانيته.

في المقابل أعتقد أن التجار والوكلاء تباطأوا في فهم ما حصل للسوق، وظنوا أنها حالة مؤقتة ستزول خلال أشهر، وأجزم أن الكثير منهم لم يتعلم الدرس، ولذا عليهم مراجعة سلوكيات البيع والعرض ونوعية ما يقدمونه للمستهلك الذي أصبح أقل اندفاعا وأكثر تحفظا.

الواجب على الشركات ومزودي الخدمات الاستفادة من الدرس القاسي، وعدم انتظار العلاجات الساقطة بالبرشوت من الحكومة كما كان سائدا لعقود مضت، فتلك النوعية من السياسات الاقتصادية انتهت ولن تعود لأسباب هيكلية وإستراتيجية.

لا شك أن إعادة المستهلكين إلى الشراء من جديد هي الحل الأمثل لدفع عجلة الاقتصاد، ولكن من خلال ردم الجفوة بين أصحاب الأعمال والمشترين، وإعادة الثقة وتخفيض هوامش الربح بدلا من المبالغات الخيالية، وبيع منتجات وخدمات وسلع تناسب الطبقة المتوسطة والأقل دخلا، فهي أصبحت من يتحكم في السوق بعد سنوات من تحكم التجار بهم.

* كاتب سعودي