شتّى الصيف، فأطلق الرعاة أغنامهم في الركايب حديثة الصرام، فيما وجدت الحمير متنفساً ومتسعاً للتمرغ بعد حرمانها منه أربعة شهور. تنتشي العصاري إذ يتقاطر ملقمو البقر إلى المساطح مواجهين شمس الغاربة، وكل منهم ومنهن بجواره عقدة قصيل ذرة، وحزمة برسيم. يتم لفّ القصب على أوراق الذرة الجافة، ثم يشدّ الثور وتشد البقرة من خزام لتفتح فمها، وتلتقم، بينما الصغار متحلقين يراقبون المشهد، ويمد لهم البعض بحبات قسبة.

سأل (شدهان) أمه عن سبب خرز الثور والبقرة في أنفه، فأجابت: عشان يسمع ويطيع، وزادت: وأنت لو ما سمعت كلام أبوك آهو بيخرزلك، فتعالت الضحكات وتداخلت تعليقات بريئة مع أصوات مضغ اللقم. جكر مبارك من سؤال (شدهان) فسأل أباه ليش ما تلقمون الجمل؟ فردّ الأب: الجمل ما يتلقم يأكل شفه بمهادله من روس الشجر ولا يدني برأسه، أضاف مبارك: وليش ما تخرزون له، فقال الشايب: لأن الجمل يسوقه ذيله.

قرر العريفة إقامة احتفال بمناسبة انتهاء موسم زراعة القمح واستعداداً للخريف، وأقسم يميناً أن (ثوره) عشاهم ليلة الجمعة على أن لا يتخلف أحد. طلب من نقاع الزير يولّم زيره ويوصي صاحبات الدفوف يجهزنها ويحمينها حتى تظلي تدن دنّ، بغى الفقيه يعترض على الفرح الجماعي، حاول يفسد الفكرة، وقال: الأحسن نفصل يا كبيرنا هنّ لحال، وانحن لحال، ويا دارنا لا دخلك شامت، فانتهره: قائلاً، فصلوا رقبتك عن كتوفك يا الكديش، صار لك لسان وأنا عزّيتك ورزيتك، وسأله «من نصّبك فَقِيه؟»، لم يجب، فقال: ما هو أنا، هيا انقلع لا تحفد بقعا، خلك انت ومرتك في سفل الجعيرة، أما أنحن فالليلة بنتعشى ونسمر، انصرف الفقيه، ولَم يبطئ حتى عاد وحرمته ورآه والدف بيده قال يا عريفتنا والله ما ينقع في الشبك إلا أنا بدفي.

دخل الفقيه بيت العريفة وعاد بالشفرة ليذكّي الثور. انتبز الشاعر الشفرة من يده، وقال: ما يذكّي إلا أحمد إنته ما لك شريانة، فقال: وأنت معك جن وذبيحتك ما تحل، فأطلّ العريفة من فوق الجون وضحكته من فرق مردداً: خله يا أحمد يذكّي ما دام جاء بالدف.

علمي وسلامتكم.