من المؤكد أن التدخل الكندي الأخير «والسافر» في أمر سعودي داخلي لا يخص كندا في شيء، ولعب دور الشرطي الدولي القيِّم على متابعة أمور «النشطاء» و«ممثلي المجتمع المدني» هو أمر مرفوض ومستهجن، فمثل هذا التدخل لا يخرج عن كونه موضة قديمة عفى عليها الزمن، إن صح التعبير، حيث انتهت الحقبة الإمبريالية بكل تبعاتها المقيتة، ولم يعد تدخل دولة في شؤون دولة أخرى بهذه الطريقة المستفزة أمراً مقبولاً بأي صورة من الصور، وقد اتضح للجميع الآن الطرف الخاسر في تجميد العلاقة بين البلدين على النحو الذي استفاضت في توضيحه جميع المواقع الإخبارية والإلكترونية.

لطالما ذكرت في مواضع عديدة في «عكاظ»، بأن مواقع التواصل الاجتماعي تعج بالكثير من المنشورات المتعلقة بالأحداث المحلية والعالمية، ويتسع صداها وينتشر الكثير منها في غالبية الأحيان دون التثبت من فحواها، ذلك لأن الفضاء الإلكتروني واسع لا تحكمه أي نوع من الضوابط، ولا يتسم غالبية رواده بالقدرة على تمحيص الصالح من الطالح، ولا التفرقة بين المثقفين الوطنيين الملتزمين ومن يطلقون على أنفسهم لقب «نشطاء»، لذا نفاجأ في الكثير من الأحيان بشيوع بعض الأفكار الدخيلة على مجتمعنا العريق، أو بزوغ نجم بعض الشخصيات المجهولة دون وجه حق، غير أن الأخطر في ذلك هو انخداع البعض بشعارات هؤلاء النشطاء وتصديق دعاواهم.

لقد سمح الفضاء الإلكتروني الواسع لبعض الأسماء باللمعان والشهرة، وقد اتضح أن الكثير من هذه الأسماء تحمل في داخلها ضغينة شديدة تجاه المجتمع السعودي وتجاه عاداته وتقاليده، ولهذا فقد سعت لتوجيه سمومها نحو كافة الثوابت المجتمعية، ضاربة عرض الحائط بما يمكن أن تنتج عنه تلك الدعاوى الزائفة من تدمير وتفكيك لدعائم المجتمع، وخلال سعيها لتحقيق ذلك لم تتورع عن اللجوء لبعض الدول الأجنبية لتستعديها على حكومة بلدها، ومن الغريب أن تنتشر دعاوى هؤلاء النشطاء الآن عقب سلسلة ناجحة من الإنجازات التي حققتها قيادتنا الشابة في مجال حقوق المرأة ودعمها في مواجهة مطالب الجماعات الظلامية، كما أنه من المثير للسخرية أن العديد من الإنجازات التي تحققت خلال الفترة الماضية كان هؤلاء من أسموا أنفسهم بـ«ناشطين» من أوائل المطالبين بها، وعندما تحققت على أرض الواقع سارعوا بنقدها والسخرية منها.

الأمر الجدير بالذكر هنا، هو موقف الحكومة الكندية الأخير ممن أسمتهم بالنشطاء، والذي يطرح العديد من الأسئلة المشروعة، والتي على كل «حذِر وفطِن ولبيب» أن يفكر في الإجابة عنها: لماذا الآن؟ لماذا تخلت كندا عن جميع سبل اللباقة الدبلوماسية وكافة وسائل المخاطبة السياسية، وأصدرت مثل هذه التدوينة العارية من كافة معالم اللياقة، هل لأن كندا تهتم فعلاً بحقوق الإنسان؟ ومن الذي يقف وراءها؟ لم تجازف الحكومة الكندية بخسارة علاقات متميزة مع دولة لها ثقلها السياسي والاقتصادي مثل المملكة، من أجل بضعة أشخاص لو كانوا داخل كندا لأدارت لهم ظهرها، وهل تقبل الحكومة الكندية بتدخل المملكة في شؤونها الخاصة؟ وهل يوافق المواطنون الكنديون بأن تملي عليهم المملكة ما يفعلونه وما لا يفعلونه، وأن تُمس سيادتهم ويُنتقص من قدر قيادتهم مثلما فعلت الخارجية الكندية؟ هذه مجموعة من الأسئلة التي يتوخى علينا جميعاً الإجابة عنها، أما السؤال الأهم من كل ذلك هو: لماذا نزحت إنسانية الحكومة الكندية هذه المسافة الطويلة جداً التي تفصل بين الدولتين، وتجاوزت عشرات الدول التي تفصل بينها وبين المملكة، لتدافع عن حقوق الإنسان في المملكة، فهل استوفت كندا أولاً معايير حقوق الإنسان داخلها لكي تبحث عن حقوق الإنسان في الدول الأخرى؟

* كاتب سعودي