من أنماط السلوك البشري اللاواعي أنه يبدو دائما منساقا وراء أحداث وأنماط الماضي وإن لم تعد هناك مناسبة لذلك السلوك بسبب زوال الظروف التاريخية التي كان مناسبا لها، وعلى سبيل المثال، ما زالت المدارس الأهلية والدولية لدينا التي تعلم لغة إضافية غير الإنجليزية تتبنى تعليم الفرنسية، مع العلم أنه مضى أكثر من نصف قرن على اضمحلال وزوال أهمية فرنسا بعد أن كانت قوى عظمى دولية تسيطر بالاستعمار على أجزاء واسعة من آسيا وأفريقيا، لكن حاليا فرنسا ليست قوى عظمى ولا إنتاج مميزا لها سواء تكنولوجيا أو صناعيا أو تجاريا أو علميا أو فكريا أو ثقافيا أو فنيا، ولهذا لا يبدو أن هناك أي جدوى لتعليم الطلاب اللغة الفرنسية والتي لا يمكنهم استخدامها إلا في نطق أسماء أطباق الطعام في المطاعم الباذخة.

بينما في الواقع المعاصر هناك قوى عظمى جديدة وأهلها لا يجيدون الإنجليزية غالبا وتحديدا الصين واليابان، ولهذا الأولى تعليم الطلاب، بالإضافة للإنجليزية، لغات هذه القوى الدولية المعاصرة التي باتت من أقطاب العالم الكبرى في التكنولوجيا والصناعة والتجارة والعلوم والأبحاث، مع العلم أن الهند وهي قوى دولية كبرى صاعدة أيضا وبسبب تعدد لغاتها فقد تبنت الإنجليزية كلغة عامة في التعليم ولهذا لا حاجة لتعلم لغاتها لأغراض عملية، بينما في دول كبرى كالصين واليابان وحتى ألمانيا تعتبر إجادة الإنجليزية نادرة، وهناك صعوبة في العثور على مترجمين، وهذا يحد نسبيا من خيارات التبادل الصناعي والتجاري وبخاصة بالنسبة لأصحاب المشاريع الفردية، بينما إجادة لغات تلك الدول يمنح صاحبه ميزة تنافسية حصرية، بالإضافة لتوسيع برامج الابتعاث إليها، وإجادة لغاتها يفتح المجال أمام توسيع الابتعاث إليها من قبل من درسوا لغاتها في المدارس الخاصة والدولية، مع العلم أن أمريكا وسعت برنامج تبادل طلابها مع الصين ليدرسوا في المدارس والجامعات الصينية لكي يكونوا نواة للتعاون الاقتصادي مستقبليا، كما أن خبرتهم في الابتعاث وإجادة لغات تلك البلاد ومعرفة ثقافتها وطباع أهلها من واقع خبرة شخصية عادة يضمن لهم الوصول لمناصب عليا في وزارة الخارجية ودوائر صنع القرار.

ويذكرني إهمال تعليم لغات القوى الكبرى المعاصرة حاليا بكون لغة المخاطبات الرسمية البيروقراطية في الهند لا تزال اللغة الفكتورية «من العصر الفكتوري للملكة فكتوريا» التي ما عاد لها وجود حتى في بلدها الأم بريطانيا، بينما ما زالت مستمرة في الهند بسبب التبعية اللاواعية للماضي، وعدم التجاوب الواعي مع معطيات الحاضر المستجدة المختلفة جذريا.

* كاتبة سعودية