شاعت في الآونة الأخيرة في المجتمعات العربية -ونحن منها- ظاهرة غريبة وخطيرة للغاية، إذ لم تكن معروفة منذ 50 عاما، إنها ظاهرة العلاقة بين الوالدين والأبناء، التي يغلب عليها الطابع السلبي، وإن كنا لا نعدم نماذج إيجابية للغاية.

فثمة فريق من الأبناء خرجوا عما ألفناه وأصبح جزءا لا يتجزأ من تراثنا المضيء الذي حفل بعكس ما نراه الآن من عقوق الأبناء والوالدين، أتابع بعض ما يكتب وينشر في بلادنا وفي بلاد وطننا العربي فأجد العجب العجاب، فهذا يطرد أمه التي تعبت في حمله ورضاعته وتربيته من سكنها حتى يستأثر به ويعيش فيه هو وزوجته، وآخر لجأ إلى القضاء للحجر الصحي على والده، حتى يستأثر بثروته مبكرا قبل موته، وقد يقوم بتزوير المستندات التي تثبت عدم أهلية والده وصلاحيته للتصرف في ممتلكاته، ومن ثم يحقق ما يصبو إليه، ونسي أنه هو وماله لأبيه، بل لقد عكس الحديث الشريف، فجعل أباه وماله له هو.

لقد وصل العقوق ذروته في صنف آخر، تجرد من كل وازع ديني أو أخلاقي، وتخلص من والديه أو من أحدهما، بالقتل أو الحرق، حتى ينفرد بسكن، أو يحظى بثروة، أو ليحقق راحة وسعادة لزوجته.

صدقوني لست مبالغا، فهذا يحدث في عالمنا، وقد كنا في منأى من هذا السلوك الجاحد من الأبناء للوالدين، لكني أرى وأسمع عن كثير من الحالات التي تجسد خرقا صريحا لأمر الله تعالى لنا بالإحسان للوالدين ومصاحبتهما بالمعروف والطاعة لهما في غير معصية.

وعلى الجانب الآخر نجد أبناء بارين بوالديهم، يسخرون إمكاناتهم من أجل راحة الوالدين ونيل رضاهما، استجابة لأوامر الله تعالى ووصايا الرسول صلى الله عليه وسلم، وتحضرني حالة اعتبرها نموذجا رائعا لسلوكيات هذا الفريق، إذ اختصم أخوان في أي منهما يتولى رعاية أمه، ونيل شرف العيش معه، فكل منهما يسعى لرضاها، ولم يجدا سوى اللجوء إلى القضاء، الذي حكم لأحدهما بحق استضافة أمه، نظرا لأوضاعه وظروفه المعيشية الأكثر ملاءمة، وما أن نطق القاضي بحكمه، حتى فاضت عينا الأخ الذي لم يحظ بهذا الشرف بالدموع حزنا على هذا الخير المفقود.

نماذج الفريقين كثيرة في مجتمعاتنا الإسلامية، وفي مجتمعنا السعودي، لكن يغلب الطابع السلبي على العلاقات بين الأبناء والوالدين.

ولكن يبقى سؤال مهم وهو: هل يستوي الفريقان عند الله؟ بالطبع، لا يستويان، فإياكم من العقوق، وسارعوا إلى نيل رضا آبائنا وأمهاتنا، فقد خاب عبد وخسر، أدرك والديه أو أحدهما، ولم يدخلاه الجنة.