في صيف العام 2016 كانت السيدة هيلاري كلينتون، المرشحة لانتخابات الرئاسة الأمريكية، وعائلتها تبحر نحو جزر هاواي على متن يخت المرقاب الأسطوري، الذي يملكه وزير خارجية قطر الأسبق حمد بن جاسم.

كلينتون أمضت الأيام الأخيرة من موسم الصيف على متن اليخت تقلب في أوراقها وبرنامجها الانتخابي قبل أن تقفل عائدة إلى واشنطن استعدادا للجلوس على مقعد رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، لقد كان الأمر محسوما في ظنها وظن اللوبي الواسع المؤيد لها.

تعودت هيلاري منذ العام 2008 على استخدام اليخت الباذخ للشيخ حمد بن جاسم بن جبر، الذي وضع إمكاناته وعلاقاته المالية والسياسية في خدمة المشروع «الأوبامي»، مؤملا أن تكمل مسيرته السيدة هيلاري لو قدر لها ونجحت في انتخابات 2017.

بعد أسابيع كانت هيلاري تدلي بصوتها في معقلها الانتخابي الأخير، وكان ابن جاسم يغلف الهدايا ويضعها داخل غرف اليخت استعدادا لإجازة أخيرة للسيدة كلينتون قبل تتويجها بالنصر كقائدة لتيار اليسار والليبراليين في العالم.

لم يكن اليخت الشيء الوحيد الذي قدمه حمد بن جاسم للسيدة هيلاري وعائلتها، فابن جاسم هو أحد كبار ممولي مؤسسة كلينتون الخيرية -ترأسها ابنتها تشيلسي-، وكذلك داعم مهم لمكتبة بيل كلينتون التي تتلقى التبرعات بشكل رسمي وعلني.

النتائج المخيبة جاءت سريعة وصاعقة ليس على حمد بن جاسم وحمد بن خليفة فقط، بل وكل المنخرطين في المشروع الأوبامي المنقلب على قواعد السياسة والتحالفات التقليدية في العالم.

كانوا يمنون أنفسهم بـ8 أعوام أخرى تتسيد فيها عقيدة أوباما الليبرالية المتطرفة العالم، المسرح الدولي مهيأ والأموال القطرية جاهزة ومكينة الإعلام اليساري متأهبة والتنظيمات المتطرفة أثبتت قدرتها على تنفيذ المشروع التخريبي وهي جاهزة للقيام بأدوار أكثر عنفا وأكثر دموية في المنطقة الممتدة من البحرين إلى المغرب العربي.

المخطط القطري كان في انتظار قطف ثمار 8 أعوام من زراعة «القطن» في حقول أوباما، فإذا برياح ترمب العاصفة تذروه فلا تبقي له أثرا، فهم للتو انتهوا من تدمير ليبيا وسورية واليمن، وكاد أن يكمل مشروعه في مصر لولا التدخل السعودي.

القطريون، وبالأخص ابن جاسم، وضعوا إمكاناتهم كاملة تحت أقدام المشرع وجعلوا من أنفسهم مطايا في مشروع الفوضى الخلاقة، الذي تبناه باراك أوباما وهيلاري وخليفتها في وزارة الخارجية جون كيري.

لم يصدق أيتام أوباما في قصر الوجبة بالدوحة ما حصل، فالتهور المالي وصل إلى أكثر من نصف تريليون دولار، أما السياسي فمصداقيتهم تدمرت في فضائهم الخليجي والعربي، صحيح أنهم ما زالوا يتلاعبون بمشاعر العامة من الجماهير العربية إلا أنهم انكشفوا تماما أمام السياسيين وأصبح اللعب معهم على المكشوف.

لقد راهنت السلطات القطرية، وبالأخص تميم، على أن هيلاري آتية لا محالة، وبالتالي ستكون السياسة الأمريكية داخل الجيب الأيمن لابن جاسم، حيث روائح المال الفاسد والسيجار وبقايا التبغ لا تزال عالقة به.

أحست الدوحة أن القادم الجديد للبيت الأبيض لن يحقق لها أمنياتها بأن تتسيد العالم العربي وتقوض دول الجزيرة العربية وتحل مكانها كما كانت تخطط، فاهتمامات ترامب وأولوياته وسياساته مختلفة تماما.

عمدت الدوحة إلى تنفيذ الخطة «ب» القائمة على دعم الأعداء السياسيين لترامب، وصل جنون العظمة لدى حكام الدوحة إلى أن يقوم أميرها تميم بإلقاء خطاب «ثوري» بث في وكالة أنبائها الرسمية يبشر بسقوط ترمب وإقالته قريبا.

لم يكن تميم يقول شيئا من رأسه، بل كان يردد ما يقال في أروقة الحزب الديموقراطي الأمريكي والمؤسسات الأمنية العميقة الكارهة لترمب وصقور إعلام اليسار الذين توعدوا بإسقاط الرئيس سريعا ونشر فضائح ستقوده نحو الإقالة لا محالة.

اليوم وبعد عام ونصف من دخول سيد البيت الأبيض إلى الحكم، وعلى الرغم من كل المعارك والمماحكات التي واجهها إلا أنه لا يزال صامدا في مكانه، ويبدو أن حمد بن جاسم وأمواله الهائلة لم تستطع ردم الهوة القائمة بين عقل سياسي سليم وأمنيات ورشاوى وقلة حيلة بلداء السياسة في قصر الوجبة.

* كاتب سعودي