رأيت - فيما يرى الصاحي - أنه إذا دخل على قوم شخص ذو مكانة اجتماعية أو إدارية أو مالية وألقى عليهم السلام فإن جميع أو على الأقل معظم من في الموقع سواء كانت إدارة أم مناسبة يهشون له ويبشون ويرفعون أصواتهم برد التحية عليه بمثلها أو بأحسن منها، ثم قد ترى كل واحد منهم يدعوه ليكون أقربه منهم مجلساً، ويقبلون عليه بابتساماتهم البهية ويسألون عن صحته وأحواله بلهفة وكأنهم بقية من أهله، مع أن بعضهم قد لا يكون بينه وبينهم سوى علاقة عابرة، ولكنه «النفاق الاجتماعي» الذي يجعل ذا المكانة المرموقة محاطاً بالنظرات وبأجمل التحيات.

وفي المقابل فإنه لو دخل الموقع نفسه شخص متواضع في ملابسه رقيق في أحواله، وألقى التحية على من فيه، فإن أحداً قد لا يرد عليه تحيته لا بمثلها ولا بأقل منها ناهيك عن ردها بأحسن منها، وربما يكون معظمهم لم يلاحظوا وصوله ودخوله وإلقاءه التحية عليهم لأن عقولهم وعيونهم تكون مشرئبة نحو المداخل انتظارا لمن يرون أنه يستحق التحية، فيشعر ذلك المسكين بالألم والهوان مع أنه جاء لأداء واجب اجتماعي دعي إليه مثل غيره من المدعوين بغض النظر عن حالة كل مدعو الاجتماعية والمالية والإدارية، أو أنه جاء مراجعاً لمعاملة أو لتقديم عزاء لجار أو قريب، وقد يدرك بعض من في الموقع ما وقع فيه ذلك المسكين من حرج عندما لم يجد من يرد عليه تحيته فيبادر إلى الحفاوة به تعويضاً له عما حصل له من تجاهل وازدراء من قبل بقية «القِطَل» المتوسدين للأرائك وكأنه بقية من «الفُقْمة» المتوسدة لشاطئ البحر بعد التهام كمية جيدة من أسماك التونة، فيشعر بأن روحه ردت إليه وتتحسن معنوياته قليلاً، فيما يمتعض المغطرسون من حفاوة قلة منهم برقيق الحال وربما تهامسوا في ما بينهم قائلين: الجماعة يريدون إظهار إنسانيتهم أمام الحضور واصفين إياهم بصفات بذيئة لكي يبرروا لأنفسهم ذلك التجاهل وعدم الاهتمام نحو إنسان ألقى عليهم التحية فاستنكفوا عن ردها عليه أو أنهم كانوا لحظتها في انتظار من يستحق التحية والترحيب وفق ما لديهم من قيم انتهازية دنيئة.

* كاتب سعودي