انتهى العرس العالمي الكروي على زخات المطر.

كانت ليلة ألقى فيها العالم بصره وأعصابه وترقبه على أرض الملعب الذي جمع منتخبي فرنسا وكرواتيا إما عشقاً أو مشاركة الناس هذا العرس الذي يتجدد كل أربعة أعوام.

وفي كل دورة يجمع كثيراً من التفاصيل ويستودعها خزانة التاريخ حتى إذا جاءت دورته استخرج كل تلك التفاصيل التي تم خزنها منذ أول دورة.

ومن المفاجآت الكبرى للدورة الأخيرة صعود جمهورية كرواتيا للعب النهائي أمام فرنسا كأول إنجاز كروي تصل إليه، ومع أنها دولة رياضية بامتياز؛ إذ تتقدم العالم في كثير من الألعاب الرياضية إلا أن صعودها للمباراة النهائية لكأس العالم سلط عليها الضوء في جميع مناحي الحياة ليتعرف العالم على تلك الجمهورية الصغيرة بأن وجودها كان قبل التاريخ ولعبت أدواراً مهمة في الفترات الحديثة خصوصاً في الحربين العالميتين حتى استقلالها.

وأثناء المواجهة الكروية بينها وفرنسا انبعث تاريخ مليء بالدم خاضته الدولتان لتتكشف أحداث كانت غائبة عن الأجيال الشابة الآن، وجمال كرة القدم أنها ترمم آثار الحروب وأدواتها القاتلة، وتحول المواجهات الدامية إلى لعبة يسودها الخلق الرياضي.

وإذا عدنا إلى المباراة النهائية كانت ثمة إشارات ترشح على السطح أن مزاج الجماهير كانت ميالة لتشجيع كرواتيا ضد فرنسا، وهي إشارة جاذبة للوقوف وقراءتها قراءة ثقافية اذا أغفلنا خروج منتخبات عالمية كان لها ثقل جماهيري عالمي.

ويمكن وضع مسببات عدة لذلك الميل وسأضعها كنقاط كون كل نقطة تقودنا إلى الأعمق وتفتح جروحاً غائرة جاءت كرة القدم كمجفف لتلك الجراح.

أولاً مفاجأة قفز كرواتيا للعب النهائي، ويمكن تحميل هذه القفزة رغبة جماهير العالم لرؤية بطل جديد لم يسبق له الفوز بكأس العالم في ظل خروج المنتخبات المرشحة.

وثمة شعور إنساني جمعي يتعاطف مع الأضعف، ولأن لفرنسا السبق بالفوز بكأس العالم، وكان وصيفا في دورات سابقة فإن الشعور بمساندة الأضعف أمام الأقوى مسألة إنسانية بحتة.

وثمة سبب يمكن له أن يضاف متمثلا في الثقل السياسي كون فرنسا دولة استعمارية لم تخرج من مستعمراتها الا بالنضال أو بقرارات دولية وتصبح المشاعر الدفينة هي المحرك في الحكم والمناصرة في أي منازلة بين من استعمرك وبين من لم يؤذِك تاريخياً.

وهذا الجانب ظهر جلياً في مباريات إنجلترا مثلاً.. ربما هذه الأسباب تخص العالم العربي، ومع ذلك ليس كل ما هو موجود في القلب يظهر.