في مجتمع متعطش للفنون، وبين شباب ترعرعوا وهم محرومون من أدنى وسائل الترفيه، لم يكن من المستغرب أن تقفز فتاة على خشبة المسرح لتضم نجمها المفضل، أو شاب يفعل ذات السلوك - رغم همجية الموقف - ولكن هذه الحادثة التي شهدها مسرح سوق عكاظ قبل أيام قد أخذت زخماً كبيراً في المجتمع بين مبرر يراه سلوكا معتادا في كل العالم ومحتقن صب جام غضبه على هيئة الترفيه، وهنا لب الحكاية، فالسخط ليس على الفتاة بقدر ما هو قنص الفرص «لفش الغل» من هيئة الترفيه لفئة تعتقد أنها قامت على أنقاض هيئة الأمر بالمعروف بعد تنظيمها ولا يزالون يذرفون الدمع عليها ويتأملون عودة صلاحياتها بعد إلغاء هيئة الترفيه، وهذا خيال فانتازي لن يعود إلا بعودة العنقاء!

كان لهذه الحادثة وهي الأولى من نوعها ورغم تفاهتها أصداء تستحق التوقف والتركيز على واقع مجتمعنا الذي أصبحت هذه التصرفات «الفردية» مصدر «احتراب» وانفعال وخلاف وتنابز بين شرائحه، فحين تكتب رأيك عن حدث ما بقصد التهدئة أو «نكش» الوعي قليلاً فأنت هنا في مواجهة جيش من المعترضين ليس في إطار وحدود الخلاف الطبيعي بل في إطار التهجم والتجاوز اللفظي، وكأنك أنت من فعل تلك الفعلة - التافهة أصلاً - وهم نفسهم قطعان من سرقوا منا الفرح واستبدلوه بالنكد ومهرجانات التفاهة والتكسير ومخيمات التعبئة والعنف، هم نفسهم الذين لا زالوا يترصدون الفرصة للانقضاض على شوية ترفيه هنا وهناك أملاً في إيقافه لتعود تلك المهرجانات السخيفة التي زعموا أنها حسب الضوابط الشرعية، وهنا لا بد من وقفة أخرى مع من نشروا هذه الثقافة «وتراجعوا»، وصاروا منفتحين و(كول)، بأن يعملوا على إعادة الوعي في المسائل الخلافية وكذلك المسائل التي حرمت في السابق حين كان الحلال والحرام توظيفاً للتكسب والتجارة والشهرة!

تصيد القبح في كل مناسبة لا يشي بمجتمع متماسك وحكاية هيئتنا وهيئتكم هي انقسام غير صحي يبدأ بالتفاهات ويتحول إلى احتراب وكراهية، الترفيه موجود والخيار موجود من أراد فلن يمنعه أحد، ومن رفض فلن يجبره أحد، والترفيه يجب أن يجمع لا أن يفرق فهو «ترفيه» وترويح عن النفس ليس إلا، ولا يستحق كل هذا الحشد والهجوم والتآمر والدعاء... إلخ، الأهم من كل ذلك أن نعي «أن الحملة ظاهرها الدفاع عن الفضيلة وباطنها إيقاف حركة التغيير»، كما تفضل الأستاذ الفاضل مطر الأحمدي في تويتر.

أما رأيي الشخصي فسوق عكاظ يجب أن يحافظ على رونقه وصورته التاريخية التراثية الجميلة، أما الردح على (يا حصة يا نورة يا مها) فلا أظنها تليق بحجم حدث تاريخي وسوق عظيم كانت العرب تشد إليه الرحال لتدبج فيه أعظم المعلقات وأعذب الشعر فيتناشدون ويتغنون بقصائد شعرائهم ويتفاخرون ويتجادلون ويتحاورون ويعقدون المعاهدات ويتباحثون أمورهم ويبيعون ويشترون، هذه هي الصورة الحقيقية للسوق، أما التنظيم فأعتقد أنه يستحق الاهتمام والتوسع، والحواجز ضرورة قصوى بين المسرح والجمهور، حتى تخفت نشوة «سنة أولى ترفيه» ونعتاد احترام «المسرح» وتفادياً للقفزات الوطواطية مستقبلاً.

كلمة أخيرة لإخوتي الممانعين ومن واقع قراءة المستقبل: الترفيه باق ويتمدد!