أعادني خبر استرداد رواتب وبدلات صرفت لمدة أربع سنوات لأستاذ جامعي ظل خلال السنوات الأربع يعمل في شركة مديراً تنفيذياً ويتقاضى كامل مستحقاته من الجامعة التي يعمل بها دون أن يقوم خلالها بواجباته الأكاديمية «الزكية» للشركة التي كان من المفترض أن يقدم لها خدمات استشارية لا تخل بعمله الأساسي، فإذا به يخل به كل الإخلال مما أدى إلى سحب ما صرف له على مدى تلك السنوات لأنه تقاضاه بلا أي مقابل.

أعادني ما نشر في الصحف إلى قضية سبق لي طرحها عبر مقالات صحفية في هذه الجريدة، وخلاصتها أنه يقدر ترحيب المجتمع بقيام تعاون طبي بين المستشفيات الخاصة والأساتذة الذين يدرسون في كليات الطب بجميع أنواعها، وذلك بعد أن سمحت الأنظمة لأولئك الأساتذة بالعمل في أوقات فراغهم خارج الدوام الأكاديمي في المستشفيات الخاصة، شريطة ألا يؤثر ذلك على واجباتهم الأكاديمية نحو طلابهم في الكليات الطبية ونحو عيادات المستشفى الجامعي والمرضى المنومين على أسرته البيضاء، وكان ما وصل من ملاحظات اجتماعية وطلابية أن بعض أساتذة كليات الطب قد أخلوا بواجباتهم نحو أعمالهم الأساسية إخلالاً مبيناً، فأصبح الواحد منهم يدور على المستشفيات الخاصة، فيكون له تعاون مع مستشفى واثنين وثلاثة في آن واحد.

أما جدول محاضراته الأسبوعية وعياداته اليومية في المستشفى الجامعي فهي آخر اهتماماته، وإن حضر وزار العيادة الخارجية أو المرضى المنومين فإنه يفعل ذلك «على الطاير» تاركاً مهمة الإشراف الطبي للمعيدين وطلاب الامتياز، أما عند خفض الراتب وبدل التفرغ وقدره 80% وغيره من البدلات، فإنه يستلمها ويأكلها من الضرس إلى الضرس دون أن يسأل نفسه هل قدم مقابل ما أخذ إن كان يؤمن بالقاعدة الشرعية القائلة: من أخذ الأجر حاسبه الله على العمل.

أذكر أن الكاتب الصحفي الدكتور زكريا يحيى -رحمه الله- وهو أكاديمي عريق كتب مقالاً في رسالة الجامعة؛ وهي مطبوعة كانت تصدر من قسم الإعلام بجامعة أم القرى، انتقد فيها بشده زملاءه الأكاديميين الذين لا يلتزمون بجداولهم ويهملون واجباتهم الأكاديمية ويضيعون الطلبة، داعياً إلى محاسبتهم أكاديمياً وإدارياً، فكان شاهداً صادقاً من أهلها، ولما ناقشت مع بعض الإداريين في بعض الجامعات فهمت منهم أن عضو هيئة التدريس لا يعامل في دوامه كالموظفين الإداريين والماليين، وأن الأمر متروك لذمته، لاسيما أنه قد بلغ الغاية من حيث الشهادة فأصبح دكتوراً قد الدنيا «وقد يجهل الإنسان وهو مدكتر»!

وأسأل هنا وزارة الخدمة المدنية، هل: يعفي النظام أساتذة الجامعة عن المساءلة فيما لو أخلوا بواجباتهم وأعمالهم الأكاديمية؟ أليسوا موظفين تابعين للدولة مثل غيرهم؟ كما أسأل الجهات التي تراقب دوام وإنجاز الموظفين عما إذا كان لديهم ما يمنعها عن متابعة دوام وأداء الأكاديميين في الجامعات، ما دام مديروها وإداريوها لم يقوموا بهذا الواجب بعد أن وقر في نفوسهم أن أستاذ الجامعة فوق المساءلة، مما دفع بعضهم إلى استلام رواتب ومكافآت لسنوات عديدة دون مقابل، واسألوا طلاب كليات الطب خاصة عن أساتذتهم الكرام، وهل يرونهم بالعين المجردة أم أنهم يتحرونهم شهرياً مثل هلال أول الشهر «يوم القبض على فاطمة»؟ وفي النهاية تصله رسالة البنك بأن المعلوم قد حول لحسابه الزكي حسب العادة!

* كاتب سعودي

mohammed.ah@mad568@gmail.com