واجهت زحاماً شديداً قبل أيام بالمحكمة التجارية، لدرجة أن جلسة موكلتي كان موعدها الثامنة والثلث صباحاً، لكنها لم تفتتح إلا الساعة الحادية عشرة، كان جدول الدائرة القضائية يحمل 10 جلسات الساعة الثامنة ومثلها الساعة الثامنة وعشر، وهكذا، كانت الجلسة تعقد سريعاً حيث يقدم كل من الطرفين ما عنده ثم تحدد الجلسة القادمة بعد شهرين، ومع أن رئيس وأعضاء الدائرة اجتهدوا في نظر القضايا، لكن هذا لم يخف حالة التذمر وعدم الرضا من قبل المدعين بسبب طول الانتظار !

في هذه الأثناء نادى كاتب الضبط على اسم إحدى المدعيات، كانت امرأة خمسينية بصحبة ابنها الشاب الذي أخذ منها الأوراق وقدمها للقاضي، وكان هناك بالمقابل المدعى عليه وهو رجل لم نستطع رؤية وجهه لأنه يضع الشماغ بطريقة ساترة من الجانبين، وما إن سأله القاضي عن صحة الشكوى ولماذا لم يحضر خلال سير القضية، أجاب بأنه لم يتبلغ من قبل، وعندما علم بصدور الحكم ضده قدم (التماس إعادة النظر) وأنه يطعن في صحة التوقيع المنسوب إليه بالعقد ويطلب إحالته للجهة المختصة للمضاهاة، هنا انفعلت المرأة وقالت: كيف يا شيخ، هو جاءنا للشقة، ووقع، وأخذ الفلوس ووعدنا أنه يبدأ في بناء الفيلا لكنه لم يفعل، واختفى عن الأنظار، وعندي شاهدان على ذلك، كما أنني أطلب منه حلف اليمين، عندها أجاب المدعى عليه بكل ثقة: توقيعي مزور، أما الشهود فهم يا شيخ من قرايبها، أما اليمين فلن أحلف إلا إذا طلبت مني المحكمة ذلك !

هنا، التفت إلي الشخص الذي كنت أتحدث معه بهمس كلما سنحت لنا الفرصة أثناء نظر القضايا، فوجدته ينظر إلي مبتسماً، فقلت له: يبدو أنك تشاطرني نفس الرأي، قال: يا رجل هذا هيئته مريبة وراح يحلف اليمين، قلت له: هو ما هو هين صحيح، لكنه غلط كم غلطة كنت أتمنى من الدائرة مناقشته ومواجهته بها في حينه، كان يفترض إبلاغه بأنه إذا ثبت أن التوقيع توقيعه سوف تتم معاقبته لاتهامه السيدة بالتزوير ولإشغاله وقت المحكمة، حتى تطمئن هي ويفقد هو ثقته العالية، كنت أتمنى أن تسأله كيف عرفت أن الشهود من قرايبها وهذه أول جلسة لك إلا إذا كنت قد زرتهم فعلاً، وكيف تقول إنك لم تتبلغ من قبل، واليوم كل البلاغات تصل عن طريق (أبشر) وهي نفس الطريقة التي أبلغت من خلالها بتنفيذ الحكم فبادرت بالحضور هنا !

مشكلتنا الأبدية تكمن في (طوابير الانتظار) التي خلقناها بفعل الإجراءات الروتينية والمواعيد الطويلة، ولأننا نريد حل مشكلة المجتمع دفعة واحدة بدلاً من النظر في كل منها على حدة وإعطائها القدر الكافي من الاهتمام، ولا أدري لماذا خيل لي بأن وجه ذلك الرجل يحمل ملامح (وزارة متعثرة) وأنه كان يخفيه حياء من الناس الذين خيب ظنهم، وأن تلك السيدة الضعيفة خير من يجسد دور المواطن الذي أعياه التعب والانتظار سواء للحصول على خدمات أو حكم واجب النفاذ يرد إليه حقوقه قبل أن يتوسد التراب !