موضوعنا يحتوي على العديد من المفاجآت: نتوقع منطقياً أنه كلما زاد مستوى الجهل فسيزيد مستوى العلم. ولكن العكس تماماً هو الصحيح فكلما زاد مستوى العلم، رفع مستوى الإدراك بالجهل. والأغرب من ذلك هو أن الجهل له بعض المنافع وأهمها دوره في صقل البحث العلمي، وتحديداً من خلال الاعتراف به في خوض الوصول إلى الحقيقة.

وتاريخياً ساهم ذلك في منح قوة كبيرة للباحثين لأنه حجب الانحياز لنتائج غير صحيحة. والأمثلة على ذلك الانحياز الذي عرقل مسيرة العلوم كثيرة: ومنها الاعتقاد التاريخي أن هناك مادة اسمها «فلوجيستون» مسؤولة عن الاحتراق والأكسدة. تم طرح وقبول هذا المبدأ من العديد من «قبضايات» العلوم لأكثر من 200 سنة، وكان من أسباب عرقلة التقدم العلمي، إلى أن تم اكتشاف الأوكسجين كالعنصر المسؤول عن الاحتراق من قبل «لافوازييه» في فرنسا في القرن الثامن عشر. وعندئذ تم التخلي عن «الفلجستون» بالكامل لدرجة أن العديد من العلماء اليوم لا يعلمون شيئاً عنه... فص ملح وذاب... أسرع من اختفاء الفيديو في الماضي القريب. وكان هذا المفهوم من العوائق الفكرية القوية لعدم التوغل في مفهوم الاحتراق والأكسدة. لم يجرؤ العلماء على مقاومة ذلك الفكر لسنين طويلة فقبلوا بفكرة هزيلة بدلا من الاعتراف بجهلهم وضرورة معرفتهم بالحقيقة.

وكمثال آخر نجد مفهوم «الأثير» في عالم الفيزياء، فإلى مطلع القرن العشرين، كان العلماء يعتقدون أن الضوء يحتاج لأن «يمتطي» مادة أطلقوا عليها اسم «الأثير» في كل مكان. وبالتالي فقد كان لهذا المفهوم دوره الأساسي في عرقلة الفكر العلمي في مفهوم الضوء لفترة طويلة. ولم تنكسر القاعدة إلا في مطلع القرن العشرين بسبب العالم الفذ ألبرت اينشتاين الذي نفى وجوده. وكان مفهوم «الأثير» من الأفكار التي حجبت البحث العلمي الأساسي في طبيعة الضوء، وحركته، وخصائصه.

وعلى صعيد آخر، ففي عالم الحرارة وانتقالها من مكان إلى آخر، سادت فكرة وجود سائل يقوم بنقل الحرارة في كل مكان، وأطلق عليه العلماء اسم «كالوريك». وبدلاً من الاعتراف بالجهل في الموضوع والخوض في استكشاف طبيعة الحرارة وانتقالها، تم حجب تلك الجهود من خلال قبول المفهوم الخاطئ الذي كان معتمداً على تلك المادة الوهمية التي لا وجود لها. ولم يسمح ذلك بالتغلب على الجهل في منظومة انتقال الحرارة. وبدخول الأفكار الجديدة التي شكلت قوانين الديناميكا الحرارية بنهاية القرن التاسع عشر، اختفى مفهوم «الكالوريك» من الفكر العلمي.

وإليكم بعض المعلومات الأساسية التي حسبت أنني أعلمها واكتشفت أنني أجهلها مثل العديد من البشر: عدد الحواس لدى الإنسان ليست خمساً بل تسعاً وربما أكثر... عدد فتحات الأنف ليست اثنتين... وإلا فكيف نتنفس (الإجابة الصحيحة هي أربع فتحات)... أكبر كائن حي ليس الحوت الأزرق وإنما أحد أنواع الفطر... أخطر الحيوانات القاتلة على البشرية ليست أسماك القرش، ولا الأسود، أو النمور، بل أنثى البعوض... وكفاية جهل في المقال، فسأتوقف هنا.

أمنية

طبعا الحديث عن بعض إيجابيات الجهل لا يبرر مواقف البعض لدعمه ومحاولات نشره على مستويات مختلفة. ومن المحزن أن تجد من يروج ويضخ المال، والجهد في نشره وتأصيله. والعجيب أن هناك حكومات بأكملها مثل حكومة قطر مثلاً تتبنى هذا الأسلوب، علماً بأن مبدأ «لا يصح إلا الصحيح» قد أثبت وجوده عبر التاريخ مهما تعددت وسائل نشر وتعزيز الجهل. ندعو الله أن يكرمنا بنعمة العلم، وأن يبعد عنا شرور الجهل.

وهو من وراء القصد.

* كاتب سعودي