.. شرفت مكتبتي منذ أكثر من 45 سنة بنسخة من كتاب «أضواء البيان» للعلامة الفقيه المحدث النحوي المفسر الأصولي الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله، وقد طبع هذا الكتاب الفخم بواسطة مطبعة المدني مؤسسة المدني لصاحبها علي صبح المدني، واضطلع المعلم محمد عوض بن لادن رحمه الله بتكاليف نفقة الطباعة في تسعة مجلدات، يكفي أن تعلم أن سورة الحج وحدها فسرها المؤلف، طيب الله ثراه، في 748 صفحة بما فيها من وصف لحجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما في ثناياها من أقوال الفقهاء وتعليقاتهم على أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام.

وأما المباحث اللغوية واللفتات البيانية في هذا التفسير فحدث ولا حرج، وقد وقف المؤلف مثلاً عند كلمة اهتزت في قوله تعالى: {وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت} فجاء بيت الشعر:

تثنَّى إذا قامت وتهتز إن مشت *** كما اهتز غصن البان في وَرَق خُضْر

واستند إلى تفسير الفخر الرازي الذي قال: «والاهتزاز الحركة على سرور، فلا يكاد يقال: اهتز فلان لكيت وكيت إلا إذا كان الأمر من المحاسن والمنافع. وقال الشيخ الشنقيطي: «اهتزت» أي تحركت بالنبات.. ولما كان النبات نابتاً فيها متصلاً بها، كان اهتزازه كأنه اهتزازها فأطلق عليها بهذا الاعتبار، إنها اهتزت بالنبات، وهذا أسلوب عربي معروف.

وعندما تعرض المؤلف لرمي الجمار قال: إن العرب تقول التجمير وتعني رمي الحصى في الجمار، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة:

بدا لي منها معصم يوم جمّرت *** وكـــفّ خضيب زيِّنت ببنان

فوالله ما أدري وإني لحاســـب *** بسبع رميت الجمر أم بثمان

إن هذا الكتاب يتضمن مباحث حديثية ومباحث أصولية ومباحث فقهية إضافة إلى المباحث اللغوية بما أنه كتاب تفسير، فمن أراد العلم فعليه بكتاب «أضواء البيان»، لكنه ليس سهلا، بل لا بد له من وقت طويل ومدارسة ومراجعة واسعة، وإن المرء ليعجب كيف تحصل هذا الشيخ رحمه الله على كل هذا العلم بفنونه المختلفة من نحو وصرف وبيان وتفسير وحديث وفقه. ولكنها الهمة وخلو القلب من الصوارف التي صرفت جيلنا عن التحصيل العميق.

والله ولي التوفيق.

السطر الأخير:

جاء في كتاب «إحياء علوم الدين» للغزالي رحمه الله: «ليت شعري، أي شيء أدرك ما فاته العلم، وليت شعري، أي شيء فات من أدرك العلم».

aokhayat@yahoo.com