كان سوق عكاظ مسرحاً شعرياً بل أعظم مسرح شعري عربي. وقد حضر فيه النابغة الذبياني والخنساء وأعشى قيس وغيرهم. وزار السوق حكيم نجران الشهير قس بن ساعدة الإيادي وسمعه سيدنا محمد قبل البعثة يلقي خطبة بليغة.. وقال الجاحظ إن أعظم إسناد هو الذي رواه النبي نفسه عن قس بن ساعدة وهو إسناد تتقطع دونه الأعناق حسب تعبير الجاحظ أديب العربية الكبير.

.. ولقد تغلغل سوق عكاظ في ذاكرة المؤرخين والأدباء العرب وحتى الرواية المعاصرة. فقد تخيل محمد المنسي قنديل الروائي المصري في كتابه «لحظة تاريخ» الصادر عام 2014م أن لقمان بن عاد وهو شخصية أسطورية قديمة من بقايا العرب العاربة عاش طويلاً حتى حضر سوق عكاظ ومعه نسر في قفص.. وذلك قبل البعثة النبوية.. وقد تجمهر حوله الناس ومن كثرتهم ضاق الهواء حول النسر ومات.

وكان سوق عكاظ أمنية لدى الشعراء في عصرنا الحديث، وفي عام 1927م أحس أحمد شوقي بغصة لعدم حضور أحد من شعراء الحجاز في حفل تتويجه بإمارة الشعر ذلك العام. وشبه شوقي الحفل بسوق عكاظ فقال:

يا عكاظ تألق الشرق فيه من فلسطينه إلى بغدانه

افتقدنا الحجاز فيه فلم نعـ ثر على قسه ولا سحبانه

بعد ذلك كلف الأمير فيصل بن عبدالعزيز الشاعر محمد بن بليهد للبحث عن موقع سوق عكاظ التاريخي وشارك الشيخ حمد الجاسر وغيره من مؤرخي وأدباء المملكة في تحديد موقع سوق عكاظ بعد أن توقف منذ عام 129هـ. وطبعت كتب عديدة، ولكن إحياء سوق عكاظ فعلياً ظل (مكانك سر) نحو خمسين سنة حتى بادر صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل مستشار خادم الحرمين وأمير منطقة مكة المكرمة بفتح هذا السوق الأدبي التاريخي والتجاري قبل اثني عشر عاماً.

وفي يوم الأربعاء الماضي انطلقت فعاليات سوق عكاظ بالطائف برعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز.

وقد طالب صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان رئيس الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني رئيس اللجنة الإشرافية لسوق عكاظ بإخراج السوق على أكمل صورة.

وحسب ما ذكرت صحيفة عكاظ التي شرفت باختيار هذا الاسم التاريخي لها في 3/‏12/‏1379هـ فإن جادة السوق تتضمن عروضاً لقصص من حياة شعراء سوق عكاظ في الجاهلية (عمرو بن كلثوم، وعنترة بن شداد وزهير بن أبي سلمى وامرؤ القيس وطرفة بن العبد، والأعشى وقس بن ساعدة، وعروضاً للأسواق التاريخية ومزادات العرب، وعروض قوافل التجارة (الشام، اليمن) ومسرحية «زاد»).

غير أني قرأت في صحيفة الجزيرة ما كتبه الأستاذ فهد بن جنيد أن زائر السوق هذا العام سيدفع رسوماً بسيطة لدخول السوق. وهو ما لا أحبذه.

السطر الأخير:

أو كلما وردتْ عكاظ قبيلة بعثوا إليّ عريفهم يتوسّـمُ؟

* كاتب سعودي

aokhayat@yahoo.com