أكثر من 45 عاماً تفصل بين تدويني هذا وتلك الأيام وعبر الزمان ومحطاته المتعددة.. توارت لحظات وبقيت أخرى، ثمة صور تظل ناصعة ماثلة أمامي وأخرى أجتهد لاستعادتها.. اختفت تماماً، وما هذا إلا فناء تدريجي مؤد، لا أعرف لماذا تندثر بعض اللحظات وتتوالى أخرى بكافة تفاصيلها.. أي مثيرات تحرك وأي قوانين خفية تقصي وتقرب؟ لا يمكن للإنسان استرجاع كافة ما ولى منه أو التوقف عند سائر ما كان إنما ينتقي.. ولقد انتقيت لكم اليوم هذه.. كنت أسكن «حي الجامعة» في السبعينات الميلادية. «حي الجامعة» كان عالماً مختلفاً عما هو عليه اليوم؛ منازل متواضعة وأبواب كالحة اللون.. والطرقات حال لون حوائطها وأزقتها.. كنت أتقاسم سكن ذلك البيت الشعبي مع زميل مصري ما زال يعيش بيننا وتزوج من أسرة سعودية كريمة وأنجب منها صبياناً وبنات.. أما ما جمع الشامي مع المغربي أو المصري والسعودي، فهناك قول إن الأرواح تتآلف، ولقد وقعت عيني عليه يوماً وعلى طول القلب انفتح، وهو كمان ما كذب خبر كلمة في كلمة وصرنا أصحاباً حتى تاريخه اسمه «يسري»، وهو رجل ولا كل الرجالة، على قول إخواننا المصريين أصيل ودغري بعض الناس جواها كنز «يسري» لم يكن كنزاً فقط بل كان كنزاً ودائماً مفتوحاً للناس وتعب الناس، يحمل هم الناس ربنا خلقه على صفته هذا ما يعيش غير وسط الناس حاسس بيهم وحاطط إيده على جراحهم.. ومصر تنفض من رحمها كثيرين مثل «يسري»، كان ذا شخصية جذابة ويتمتع ببديهة حاضرة وطبيعة فكهة يميل دائماً للدعابة ويقدرها، وكان كريماً من سلالة حاتم الطائي، كنت أقوم بتدريس ابن أحد الأثرياء بأجر شهري وكان يسكن في قصر من قصور «مدائن آل فهد» بعد انتهاء عملي اليومي في كلية الطب، هذا القصر لا يزال هناك حتى الآن كبير وفسيح مهجور حجراته مغلقة وأشجاره ميتة منذ أن هجره أهله لم أكن متعباً بعد الانتهاء منه فذهبت إلى «شارع قابل» لشراء بعض الاحتياجات ومكثت هناك حتى وقت متأخر وعدت في الأتوبيس كالعادة، حيث لم أكن أملك عربة والذي تركني عند معرض «عبداللطيف جميل» في طريق مكة ومشيت متقدماً نحو «حي الجامعة»، كان الوقت متأخراً والجو حاراً خانقاً ودرجة الرطوبة لا تطاق، كانت الشوارع معتمة سوداء، كان ضوء القمر يتدهور فوق المباني الشعبية البسيطة يتفتت يصير مسحوقاً فضياً تشوبه ظلال كأكسدة الفضة في أشكال شبحية متكسرة، ما إن دلفت الزقاق حتى داهمني الظلام الدامس كخفاش خرافي طواني بين جناحين فجمدني، كانت كلاب تتهارش بحيوية مشتعلة تملكني الرعب تماماً، وسعت خطواتي ولكنني لم أهرول.. اقتربت الكلاب مني راح عقلي يحاول القيام من كبوته.. كان ذهني مثل كلكيعة مخروطة في جسد الظلام الحالك ونباح الكلاب.. قررت أن أغتال شبح الخوف فأنا لا أستطيع الرجوع فيجرون ورائي.. أخيراً جمعت شجاعتي من شتات روحي ومشيت بينهم.. أخذوا يحدقون فيّ بتحد ويشمشمون مشيتي.. لا أعلم أهي شجاعة أم الاستسلام للقدر؟ ما إن وصلت إلى الباب حتى صحت بصوت مضطرب ناديت على «يسري»، كررت النداء عدت مرات في كل مرة أعلى صوتاً من سابقتها وبعصبية متصاعدة كصرخة حادة ممدودة.. شعرت بفرحة عظيمة والباب يفتح.. كانت على وجه الأخ «يسري» مسحة دهشة طفولية تعكس شعوره الصعيدي العريق بالعيش مع الكلاب وأنه لا يليق بك أن تخاف كان يريد إيهامي بأن الذي حدث شيء طبيعي.. سألني بسخريته المعتادة «عملت إيه مع الكلاب؟» لعله سؤال حياتي الدائم والذي يلاحقني من يومها.. أعمل إيه مع الكلاب؟ خاصه في زمان كثر عددهم وارتفع نباحهم.. تخيلوا لو توقفت لألقي بحجر على كل كلب نبح عليّ هل كنت سأصل إلى وجهتي!

* كاتب سعودي

fouad5azab@gmail.com