يتلازم الاختبار الحقيقي للمثقف بزمن الأزمات وتتجلى مواقفه الوطنية فِي المنعطفات، فالمثقف العضوي أو المنتمي ينسى نفسه تماماً عند التحديات الكبرى، ويلغي مصالحه الذاتية، ويتجاهل الإحن الشخصية والجدليات العقيمة لأنه مؤمن بمبدأ لا يتخلى عنه يسجله له التاريخ لأن التاريخ شاهد محايد.

عندما كنّا أجنة في بُطُون أمهاتنا كنّا نظن أنه لا أرحب ولا أغنى ولا أدفأ من الرحم الحنون وعندما خرج كثيرون منا صرخوا وأعولوا إما احتجاجاً على ترك مكان آمن ومريح وإما قلقاً من المستقبل كما يقول الفيلسوف ابن الرومي (لما تؤذن الدنيا به من صروفها، يكون بكاء الطفل ساعة يولد، وإلا فما يبكيه منها وإنها، لأوسع مما كان فيه وأرغدُ، إذا أبصر الدنيا استهل كأنه، بما سوف يلقى من أذاها يُهَدّدُ).

في مرحلة الشباب نكتشف أن الحياة حلوة، وتستحق أن تعاش، ولو خُيّر أحدُنا بين أن يستمر في الدنيا حركة ونشاطاً وتحمل متاعب عمل، وبين أن يعود لبطن أمه، سيرفض العودة، وهذا من سر النفس البشرية المتطلعة لِغَد أجمل كون (بكرة أحلى من النهار ده).

تاريخياً لطالما دفع المثقفون أثمان مواقفهم، ولسنا بصدد استعادة ما تحمله المفكر فرج فودة، والدكتور نصر أبو زيد، والنقابي جارالله عمر، والروائي نجيب محفوظ من أذى وتطاول الظلاميين، إلا أنهم كانوا أبطال تنوير وتغيير حقيقيين قدموا دماءهم وأعراضهم ومناصبهم ثمناً وفداءً لتحقيق مشاريعهم وإن بعد رحيلهم، فالبطل يموت في سبيل أن تحيا وتعيش وتنمو الفكرة، والتغيير مواجهة مع عقليات تقليدية تخاف من الغد وتخشى المستقبل بحكم إلف الحاضر والحنين للماضي.

مثقفو التنوير معنيون بتحمل تبعة النقلات النوعية عن صانع القرار، فهم أشبه بكاسحة ألغام تهيئ وتمشط الطريق أمام القيادة، وكم جعل شرفاء من أنفسهم جسوراً للعبور بشعوبهم من ضفة إلى أخرى أكثر إشراقا ووعياً.

المثقف يعي أن الرمز الوطني أحق المكونات الاجتماعية والسياسية بحفظ هيبته ومكانته، ومهما نال النخب الثقافية من ردود أفعال ساخطة إلا أنه سيأتي لاحقا من ينصفهم حتى ممن كان الْيَوْمَ يلعنهم، وهذا مشهود وموثق من تجارب أمم وشعوب ورموز، إلا أن أردأ الشعوب شعوب أراد لها مفكروها الحياة، فيما رضيت الشعوب لهم الموت.