لو طرح على أحد المحسوبين على تنظيمات الإسلام الحركي أو تحديداً جماعة الإخوان السؤال المثار حالياً في مشارق الأرض ومغاربها حول أسباب إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة في تركيا لتكون قبل نحو عام ونصف من موعدها المقرر، لأجاب بعفوية سمجة «خير البر عاجله»، ولو طرح السؤال ذاته على أحد «المتأتركين الجدد» لقال إنها «ثقة في النفس»، فهذا لسان حال هؤلاء الرهط بتطبيلهم الأعمى لأردوغان إعجابا منهم بخطبه ذات الطابع الديني والتعبوي والمتخمة بالدهماوية والديماغوجية المفرطة، في حين اشترك الكثير من المحللين الإستراتيجيين في أن عوامل التراجع الاقتصادي تسببت في تراجع شعبية أردوغان يوماً بعد آخر وكانت الدافع الأكبر وراء الإسراع في تبكير إجراء الانتخابات قبل أن تتضاءل فرص فوزه المتوقع بالانتخابات، وبالرغم أن هذا الرأي هو السائد والأقرب كما يبدو، إلا أن المتابع بدقة للتسلسل الزمني لمجرى الأحداث والتحولات المتسارعة في تركيا سيجد أن هناك ملابسات مفصلية دفعت أردوغان لسياسة الهروب للأمام، وتقديم الانتخابات يأتي ضمن سلسلة طويلة من المحاولات المستمرة والدؤوبة في السنوات الأخيرة لتعطيل وتأجيل سيناريو النهاية البائسة والمتوقعة لحزبه وحقبته، والتي يدرك أردوغان قبل غيره حتمية وقوعها.

بداية، راوغ أردوغان منافسيه بنفيه الشائعات التي تم تداولها خلال الأشهر القليلة الماضية حول تقديم موعد الانتخابات المقررة في سبتمبر 2019 حتى يخدر منافسيه، ثم باغتهم بإعلان تبكير موعد الانتخابات ليضغط الأحزاب المنافسة التي وجدت أن أمامها أقل من شهرين ونصف لخوض الانتخابات، أما بالنسبة لأردوغان فهو في سباق مع الزمن وكل ساعة تمضي تشكل خطراً على بقائه في السلطة، وذلك ليس فقط بسبب التدهور الاقتصادي المتسارع والتراجع المخيف لسعر الليرة والأرقام الضبابية حول معدلات التضخم والبطالة، إضافة إلى تصنيف تركيا ضمن أعلى 3 اقتصادات هشة في العالم وفقاً لوكالة «فيتش» الدولية للتصنيف الائتماني الشهر الماضي، ولكن هناك مخاطر عديدة أخرى تواجه أردوغان، فمنذ المحاولة الانقلابية الفاشلة في 2016 وحالة الطوارئ القائمة في البلاد، إذ يخوض حرباً داخلية طاحنة ضد ما أسماه «الدولة العميقة» وهو مفهوم فضفاض لا يمكن الاتفاق على تعريفه ومن يمثله ويقف وراءه في تركيا وقد لا يكون له وجود من الأساس، إذ أصبح كل من يعارض أردوغان وحزبه بأي شكل من الأشكال قد يجد نفسه متهما بالضلوع في شبكات يدعى بأنها تنتمي لكيانات إرهابية تعمل ضد الدولة.

وفي غضون 23 شهراً من الانقلاب تم إيقاف نحو 315 ألف مواطن ومقيم في تركيا، سواء بالاعتقال أو رهن الاحتجاز والتحقيق؛ أي أن أردوغان أحال بلاده إلى أكبر معتقل سياسي في التاريخ المعاصر؛ إذ تشهد تركيا معدلات إيقاف تصل إلى نحو 20 شخصا في الساعة و 455 موقوفا يومياً وقرابة 14 ألف موقوف شهرياً، وكل ذلك تحت ذريعة الانقلاب الفاشل وتطهير البلاد من «الكيان الموازي»، والتي امتلأت على إثرها عنابر السجون ولم تعد تحتمل هذه الأعداد الهائلة من السجناء السياسيين، لذلك شرعت الحكومة التركية منذ سبتمبر 2016 في بناء 174 سجنا جديداً وإخلاء السجون التي يبلغ عددها الإجمالي نحو 382 سجناً من آلاف المدانين بعقوبات مخففة لفسح المكان أمام الموقوفين السياسيين والذين جلهم من الأكاديميين والمعلمين والأطباء والقضاة وعناصر الشرطة والأمن العام، إضافة إلى إيقاف مئات الإعلاميين بعد غلق جميع الصحف والوسائل الإعلامية المعارضة، كما استغل أردوغان حالة الطوارئ في القيام بتفتيت استقلالية القضاء وعزل آلاف القضاة واستبدالهم بقضاة موالين للحزب الحاكم حتى يخضع القضاء للسلطة التنفيذية لرئاسة الدولة.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أجرى أردوغان العام الماضي استفتاء على تعديلات دستورية منحته صلاحيات واسعة بتحويل النظام الحكومي من برلماني إلى رئاسي تنفيذي، وينص هذا التغيير الدستوري على إلغاء منصب رئيس الوزراء والسماح بالتالي للرئيس أردوغان تعيين الوزراء وجعل الإجراءات الحكومية تحت سلطته المباشرة، كما يتيح له هذا التعديل الترشح لولايتين رئاسيتين أخريين، أي أنه قد يبقى حتى 2028، وكل هذه الاجراءات التي تمت خلال حالة الطوارئ المفروضة في تركيا مهدت الطريق لأردوغان نحو سلطة شمولية وتحول نحو الحكم الأوتوقراطي أو سلطة الرجل الواحد من خلال سحق النظام الديموقراطي البرلماني الذي رسخه أتاتورك قبل قرابة القرن.

لقد كشفت محاولة الانقلاب الفاشل، أو المزعوم في الخامس عشر من يوليو 2016، الكثير عن حقيقة توجهات أردوغان، فبعد أن نجا من الانقلاب كرر مقولته الشهيرة بأنه «يحمل كفنه على كتفه»، ويتحايل أردوغان بمحاولة دفع مقصده من ذلك القول نحو منافسيه ومعارضيه الذين دأب على شيطنتهم وتخوينهم وتلفيق التهم إليهم ومحاكمتهم صورياً، ولكن ما حدث من عمليات تطهير واجتثاث مع ما وصف بـ «الكيان الموازي»، أو جماعة فتح الله غولن الإسلامية سبق وأن حدثت بالمثل مع ما يسمى بتنظيم «إرغينكيون» السري في 2007، والذي وصف بأنه «مافيوي»، وهو ملف في غاية الغموض وهناك شكوك كبيرة حول وهمية وجود ذلك التنظيم وكل ما حيك حوله كان بهدف التخلص من كبرى القيادات العلمانية في مؤسسات الدولة والجيش التي تعارض توجهات حزب العدالة التنمية، وذات الأمر تكرر مع خلية «خطة المطرقة» المتهمة بتدبير انقلاب مزعوم إعلامياً تم التخطيط له منذ العام 2003 من قبل قيادات في الجيش كانت ترى أن أردوغان يسعى للقضاء على «تركيا الكمالية»، وظلت القضية غير واضحة في ظل إتمام التحقيقات والإجراءات القضائية بشكل سري داخل سجن «سيليفري».

وما يجري في تركيا اليوم منذ المحاولة الانقلابية في 2016 يرتبط أيضاً بقضية الفساد المالي الكبير في 2013، حين استيقظ الشعب التركي ومعهم أردوغان في صبيحة يوم 17 ديسمبر 2013 على وقع حملة اعتقالات واسعة لشخصيات رفيعة المستوى للتحقيق معهم في قضية شبكة تركية-إيرانية لغسيل الأموال، ووصفت بأنها أكبر قضايا الفساد والرشوة في تاريخ تركيا، وكان من بين الضالعين فيها أبناء بعض الوزراء ورجال أعمال مقربين من حكومة حزب العدالة والتنمية، مما تسبب في استقالة 3 وزراء في حكومة أردوغان، وفي الساعات التي تلت الاعتقالات تم بث تسجيلات صوتية على وسائل التواصل الاجتماعي بين أردوغان وابنه بلال، تكشف تورطهما في تلك الفضيحة، ثم انقلبت الأمور فجأة رأساً على عقب بعد أن قامت السلطات التابعة لأردوغان بعملية عكسية ومضادة أفضت إلى اعتقال كل من حقق في تلك القضية، ولكنها لم تنته بعد.

في نهاية المطاف.. ربما يحسم أردوغان انتخابات (الأحد) في جولتها الأولى ويحتفظ «العدالة والتنمية» أيضاً بالغالبية البرلمانية، أو يخوض جولة ثانية في الانتخابات ويفوز لاحقاً، أو يفوز وحده ويخسر حزبه الغالبية البرلمانية، أياً كانت النتيجة المحتملة، سيظل أردوغان في حالة استنفار حاملاً كفنه، فمن يزرع الأشواك لا يحصد ثماراً.

* كاتب سعودي

ktashkandi@okaz.com.sa

khalid_tashkndi@