على امتداد أشهر طويلة وكان الطريق الساحلي مفتوحاً أمام قوات التحالف العربي، ولكنها آثرت أن تجنح إلى السلم وأن تترك مهمة إخراج ميليشيات الحوثيين من الميناء الإستراتيجي للأمم المتحدة، ولكن بدل أن تستجيب تلك الميليشيات وتوفر مزيداً من الدماء اليمنية، وبدل أن تسهل عمل المنظمات الدولية، راحت تستولي على المساعدات الإنسانية حتى أمست حياة اليمنيين جحيماً لا يطاق، فانتشرت الأوبئة والمجاعات. أما الأمم المتحدة المناط بها فتح قنوات الحوار مع الجماعة الإرهابية فلم تحرك ساكناً وبقيت جهودها تراوح مكانها.

وبالرغم من الأهمية الإستراتيجية لميناء الحديدة فعن طريقه تصل الأسلحة والمؤن للجماعة الإرهابية، ولكن العملية بالفعل تأخذ طابعاً إنسانياً، كما وصف وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتية السيد أنور قرقاش، فهي تخلص الشعب اليمني ممن سرق قوتهم وأدويتهم وموادهم الغذائية. والتقدم الذي تحققه قوات الشرعية وكذا قوات التحالف العربي نتيجة صبر وأناة، حيث استطاعت الشرعية أن تقطع أوصال القوات التابعة للميليشيات الإرهابية. وتم حصار العناصر الإرهابية في مناطق محدودة في المدينة والميناء وتحريرها بات قاب قوسين أو أدنى. وعلى امتداد الأسبوع الماضي لحقت خسائر مادية وبشرية كبيرة في صفوف الحوثيين تجاوزت الـ600 عنصر من الجماعة، وبينما كان اهتمام وسائل الإعلام العربية والدولية منصباً على الحديدة لأهميتها فإن الجبهات الأخرى شهدت تراجعاً ملموساً وتقهقراً للعناصر الإرهابية. العملية العسكرية وأهميتها الإستراتيجية تترك أثراً ليس فقط على المستوى العسكري بل تتجاوز ذلك إلى نتائج سوف تنعكس على اليمن برمته.

لعل النتيجة الأولى لهذا التقدم العسكري هي فتح الطريق نحو حل سياسي يعيد الشرعية ويطيح بالانقلابيين من سدة الحكم، فهذه الجماعة الإرهابية وداعموها في طهران لا يفهمون إلا لغة القوة، ولن تقدم أي تنازلات طالما ترى أن لديها قوة كافية لمواجهة إرادة الشعب اليمني الممثلة بالتحالف العربي والشرعية اليمنية. أما الحل السياسي فهو ممكن ويجنب الشعب اليمني مزيداً من الويلات، وقد وضع التحالف العربي التسوية السياسية على رأس أولوياته منذ انطلقت عملية عاصفة الحزم، وذلك بالاستناد إلى المبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني وقرارات الأمم المتحدة. ولكن الميليشيات ونظام الملالي الداعم لها كانوا على الدوام يرفضون أي مبادرة جادة لوضع نهاية للانقلاب الدموي. وما تزال فرص السلام ممكنة، ولكن بالاستناد إلى تاريخ تلك الميليشيات، فمن غير المتوقع أن تجنح للسلم طالما لم تكسر من الناحية العسكرية، وهذا ما تقوم به قوات التحالف والشرعية.

لقد أثبتت التطورات العسكرية الأخيرة كذب وافتراء كل التخرصات التي كانت تزعم وجود خلافات بين دول التحالف العربي. فقد ظهر التنسيق بين المقاومة الشعبية وقوات الشرعية وقوات التحالف العربي في أعلى مستوى، فقد أعطت قوات التحالف مهمات محددة وتنسيقاً كبيراً، أفرز في نهاية المطاف هذا النصر العسكري، وإذا ما ألقينا نظرة سريعة على المشهد العسكري فسوف نلاحظ تقدماً لقوات الشرعية، شمل ذلك جبهات ميدي وحجة ونهم، بالإضافة إلى جبهة صعدة معقل ميليشيات الحوثي، والأنباء العسكرية الواردة من هناك تشير إلى أن قوات الشرعية والمقاومة بدعم من قوات التحالف تفرض سيطرتها على تلك الجبهات، وهذا ما جعل هذه الميليشيات عاجزة عن إعادة ترتيب صفوفها وشعرت بموقف حرج للغاية. هذا التنسيق بين الجبهات والتقدم المتزامن وعمل قوات الشرعية والتحالف والمقاومة المنسق يثبت أن الهدف الرئيسي للتحالف العربي هو خير اليمن واليمنيين، وإعادة الاستقرار، ومنع نظام الملالي من تأسيس قاعدة متقدمة في قلب شبه الجزيرة العربية، تكون منصة لتهديد العالم العربي برمته، وخصوصاً دول الخليج العربي، فضلاً عن تهديد طرق التجارة العالمية. أما حملة الأكاذيب حول أطماع مزيفة وأهداف غير معلنة، فما هي سوى أضاليل يتلظى بها البعض ليحرف الأنظار عن مأزقه الذي يعيشه.

الخيارات أصبحت محدودة أمام ميليشيات الحوثي، وهذا ما يساعد المبعوث الدولي لليمن مارتن غريفيث في مهمته ليس من أجل الحديدة وحسب ولكن يفتح أمامه آفاقاً لمبادرات للملف اليمني برمته، بالرغم من أن تجربة السنوات الماضية لا تدفع إلى التفاؤل، بالنظر إلى الإستراتيجية التفاوضية للميليشيات الإرهابية، فقد رفضت كل المبادرات التي قادتها وتقودها الأمم المتحدة، وهذا ما يساهم في إطالة أمد الحرب بما ينعكس سلباً على الأحوال المعيشية للشعب اليمني.

إن قوات التحالف هي الأحرص على تحسين الوضع الإنساني وهي تنزع الورقة التي يضغط من خلالها الحوثيون على المدنيين، عبر السيطرة على ميناء الحديدة، إنها تقدم خدمة جليلة للشعب اليمني. أما تلك الأصوات التي تتباكى كذباً على الوضع الإنساني للمدنيين في الحديدة وفي عموم التراب اليمني، فإنما هي دموع كاذبة، تستغل عذابات اليمنيين للدعاية السياسية الرخيصة، ومحاولة بائسة لزيادة الضغوط السياسية على دول التحالف العربي من أجل منح مزيد من الوقت للميليشيات الإرهابية لعلها تنجح في لملمة صفوفها المبعثرة، ولكن هيهات.

معركة الحديدة وتحريرها من أيدي الميليشيات الإرهابية تحول إستراتيجي على غاية من الأهمية، سوف يكون لها ما بعدها؛ وهي بداية الخلاص للشعب اليمني من الكابوس الذي خيم عليه على امتداد السنوات الماضية.

ramialkhalife@